عندما كنّا غداً

إبراهيم محمود

في طفولتنا البالغة المعمَّرة
نتذكر شيخوختنا التي يدحرجها الزمن
نلهو عن خفة عمرها اللاحقة
نتذكر من كانوا آباءنا وأمهاتنا
يا لضراوة أيديهم الناعمة
يا لنظراتهم الرعدية الوارفة
لكم منحونا بخبزهم العاري
ببرغلهم السنوي
ببصلهم الفصلي المحلي
ببيضهم الأهلي الحنون
إجازة فالحة في الحياة
طيراناً مؤمَّناً عليه صوب المستقبل
في طفولتنا التي عشناها غداً
كنا نبصر ما كانته شيخوختنا ماضياً
نتوكأ عليها وشباب حدائقي كان يطرّي أنفاس الشمس
لم نكن نخشى أيدينا من أن تغدر بتسديد عيوننا
لم نكن نتخوف من ثقة أرجلنا العالية بخطاها
وهي تسبح بنا في فراغات نقطعها وكلنا نظر إلى الأمام
كانت رائحة خيالاتنا تعمّر فينا المزيد من أنشطة القمم
كانت أرواحنا تهيب بنا أن نعبر هاوية تلو أخرى 
ونحن نلعب بمسبحة القفزات الكبرى انتشاء ً
في طفولتنا التي شغفت بها كهولتنا ذات يوم
كان لذكورتنا وأنوثتنا لقاءات الينابيع والتربة المعجَّنة بالخصوبة
علمتنا الطبيعة كيف نقطف عاصفة من حديقة الإعصاء
كيف نمتطي الإعصار بكفالة هوائية لها مصداقيتها
كيف نكتسب ود سحب مدلهمة بتعهد من السماء التي كانت في متناول أيدينا الشاعرية
كيف نسحب الينابيع إلى أحضاننا
ونقول للأنهار ألا انطلقي إلى جهات حلْمنا الطائرة
وكان آباؤنا وأمهاتنا يطلقون خطاهم سنداً لخطانا الرهوانة
في طفولتنا التي عشناها غداً وبزخم غير مسبوق
رزقنا الكثير من النجوم التي تؤانس ليالينا التي أودعناها صبواتنا
لتحلق مع أول صحوة صباح
حصدنا الكثير من الرؤى التي ألهمتنا ما يلحق بنا كل أرض سلكناها واحتضناها بكامل جموحنا الروحي
كانت شيخوختنا جذلى بهذه الطفولة التي تظللت بها
أطلقنا لحانا التي رفعتنا عالياً
وابتهجت شيخوختنا وهي تتفرج على مشاهد لم تحصل لاحقاً
خلعت أسنانها اللبنية وهي تحبو كأسماك تتسابق في خطوط رمحية
غيَّرنا في مسيرة الزمن وفق رغبات استثنائية
وقد أنجبنا سلالات من روائع القول والفعل 
خضَّبنا بها أصابع المجهول فينا
وقد هيأنا الأرض لتكون أكثر صعوداً إلى السماء
لتكون السماء أكثر انفتاحاً لزقزقات أمانينا
وما يضاف إلى عمرنا الذي استثمرناه في مصادقة المجرات
في طفولتنا التي عشناها غداً
امتدت بنا إلى ما بعد غد 
وكل الفضل لأيدي آبائنا وأمهاتنا
وقد أطلقونا قلوباً مضاءة بكاملها في أبدية أودعناها كتاباتنا ورسومنا
أصبحنا آباء وأمهات قبل الأوان
وقد لعبنا بمسارات الزمن
وجينالوجيا الأعمار وقوانين جيناتها
استحققناها بجدارة
أردنا أن نكون كما كان آباؤنا وأمهاتنا
لكن أيدينا تخلفت عنا
خطانا تركتنا لوحدنا 
قلوبنا لم تقدّم الدعم المطلوب
لنرفع السماء قليلاً
ونبسط الأرض قليلاً
ونحفّز الينابيع لتكون أكثر قابلية للضحك
والأنهار للجريان
انفلت منا الزمان
وبقينا في عراء استثنائي
لم نملك خبز آبائنا وأمهاننا
بصلهم الفصلي
بيضهم الأهلي
حليب غنمهم الخالي من الماء
عدسهم المبرَّأ من طعم السماد  الصفيق
وخسرنا أولادنا كثيراً
ليعيشوا شيخوختهم
وهم في وداعة الطفولة
ليكبروا دون تسديد العمر اللازم للطفولة
وسحبتهم جهات غير معلومة إليها
وبقينا نحن يتامى  ساقطين في عمر نجهل حقيقته واتجاهه
ولم يكن في مقدور الذاكرة أن تعيننا ولو قليلاً
لأنها لم تكن  ملازمة لنا
وها نحنذا نعيش أعماراً لا ندري أولها من آخرها
وفي أي جهة نكون
وقد عدمنا أي دليل في مقدوره استدعاء زمن يهدينا  إلى طريق يمضي بنا إلى ما كنّاه واقعاً
تبعاً لتسلسل السنين فينا
عندما كنا غداً
كان الماضي لنا بالمرصاد

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس

لو عادت بي الحياة إلى بدايتها، فلن أختارها كما عشتها، ولن أكرر كثيرًا من طرقها وأخطائها. أقول ذلك في الرابعة والسبعين، لا جحودًا بما منحتني الحياة، ولا تنكرًا لما حققته، بل لأن في الذاكرة عثرات ما زلت عاجزًا عن الإفلات الكامل من ندمها.

خرجت من نصران، قريتي الصغيرة في غربي…

صبحي دقوري

يحتل دني ديدرو مكانة استثنائية في تاريخ الفكر الفرنسي الحديث. فقد كان فيلسوفاً وروائياً وناقداً فنياً ومترجماً ومفكراً موسوعياً، لكنه كان، قبل كل شيء، صاحب تصور جديد للمعرفة ودورها في المجتمع. لم ينظر إلى الثقافة بوصفها ترفاً ذهنياً أو امتيازاً يقتصر على العلماء والطبقات المتعلمة، بل عدّها قوة قادرة على تحرير الإنسان من الجهل…

ماجد ع محمد

في عوالم النقد الأدبي، يُطلب من الناقد المنصف والموضوعي البدء بالتحدث عن الإيجابيات، وإيراد الجوانب المميزة في المنتَج الإبداعي، وذكر محاسن العمل الموضوع على المشرحة التقييمية، وعدم إغفال الجوانب المضيئة أو إهمال علامات الريادة في أي جانبٍ فيه إن وجدت، ومن ثم يبدأ المنخرط في العملية النقدية بذكر الهنات، وإظهار العثرات، والإشارة إلى…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

لم يكن الشعر النسوي في الشرق مجرد انفعال وجداني أو تعبير عن عاطفة شخصية، بل كان في كثير من محطاته التاريخية مشروعًا لمساءلة الواقع، وكشفًا للمشكلات الاجتماعية التي أحاطت بالمرأة.

ومن بين الأصوات التي استطاعت أن تُحوِّل القصيدةَ إلى مساحة للمواجهة الفكرية والوجودية، تبرز الشاعرة اللبنانية جمانة حداد…