إثم الضحك

هيفي الملا 

جوانا نامي، الوقتُ متأخر ِ….
أمي أرجوكِ أريد أن أسهر اليوم، لا أدري لماذا لا أشعر بالنعاس مطلقاً ثم لم انتهِ من الرسم بعد. 
جوانا قلتُ لكِ مرارا، لوحة واحدة قبل النوم تكفي، لا تشغلي نفسك طوال الوقت، اتركي الأفكار الجميلة تتقافز في مخيلتك الخصبة بشقاوة كما النعاج الصغيرة. 
أمي ماذا لو لم يمتلئ دفتري، مازالت في مخيلتي الكثير من الأفكار والصور، صدقيني أشعر أني متخمةٌ بالأفكار هذه الليلة، بل أشعر بكائنات مقيدة تتحرك داخل عقلي بصعوبة و تنخر في عظمي صدقيني وتطلب مني أن اعتقها بالرسم.
ماهذا الكلام الكبير جوانا ! هل تهذين هذا المساء يا ابنتي. 
لا أدري لماذا أقول ذلك ولا كيف أشعر بذلك، سوى أنَّ شيئاً ما يدفعني للرسم والكلام والضحك، وكأنني أريد إفراغ حصالة عمري اليوم من كل مااشتهي ،سوف أنامُ ولكن اسمعيني الآن  قالت معلمة التربية الإسلامية : كلنا سوف نموت والله سبحانه لايستثني كبيراً من صغير، لذلك علينا أن نسرع في فعل مانحب، من الحماقةِ أن اترك أفكاري متعاركة حتى الغد، لذلك دعيني أرسمُ حتى يغلبني النعاس.
أمي لماذا خفتُ فجأةً وارتعدت أوصالي؟ هل أموتُ قبل أن املأ صفحات دفتري الجميل بما أشعر به وأتخيله. 
 جوانا ياقمري ما أشدَ ثرثرتكِ هذه الليلة، وما أغرب وأغزر أفكارك مقارنةً ببنفسجِ عمركِ الصغير، والأغرب هذا النوم الذي يجافي جفونك.
سأحتضنُ دميتي جين يا أمي عساها تساعدني على النوم. 
جين تعالي نتحدث معاً ، سأقول لكِ سراً أمي تريدني أن أنام باكراً و تقول لن أكبرَ ولن تطولَ قامتي ولن يغزرَ شعري إنْ سهرت، و أنا اتصنعُ الاقتناع والرضى فقط. 
الأمهات ياجين يتخيلن الكثير عنا، ودوماً يعتقدن أننا مازلنا صغاراً، لا تهتمي أنا أنطقُ بهذه الكلمات لأول مرة، و أشعرُ بأنني أكبرُ بالدقيقة وعقلي يسابق عمري الزمني هذه الليلة. 
دميتي الجميلة وحافظة أسراري، تعالي أحدثكِ عن صديقتي نالين تعرفينها تسكن في هذا المبنى، هنا في البيت الذي يجاورنا، إنها مثلي عندما تجبرها أمها على النوم تتظاهر بهِ، وتحادث دميتها تحت الغطاء. 
جوانا ماهذه القهقهة، وماسر هذا الضحك غير المبرر.
ابنتي ألم أقل لكِ هذا لا يواتينا وكم مرة ضحكنا فيها كثيراً و بكينا بعدها بمرارةٍ، ابنتي هذا متوارث في ثقافتنا ومعتقداتنا  الشعبية، هل تذكرين تلك الليلة التي ضحكنا فيها كثيراً،  واحترقتْ يدُ أخيك في اليوم التالي، ابنتي كفاكِ عناداً ونامي. 
سأنامُ يا أمي… سأنامُ مطولاً.
 جين هل تعلمين سأنتهي من دفتري الملون، واعقدُه بعدها بشريطٍ أحمر وأودعه في خزانتي، هل قلتُ لكِ بماذا سأختمُ  الصفحة الأخيرة منه ، لا لم أخبركِ بعد، سأرسمُ قبراً مع شاهدة واضحة، وسأحيطه بالأزهار واجعل التراب الأحمر ندياً حوله واوزعه بل أرسمهُ بعنايةٍ. 
عندما تحدثتْْ معلمة الدين عن المصير النهائي الذي يفضي بنا إلى الموت والقبر المعتم، خطرَ لي أن ارسمَ ذلك المكان الضيق البارد المظلم عسى الازهار  تؤنسَ وحشتهُ والشاهدة الواضحة تكشف عن هويته؟ 
لا أكادُ أفهمُ لماذا لا أستطيعُ النوم، يحقُ لأُمي أن توبخني، ستكونُ عيناي حمراوين غداً وشعري أشعث مبعثر ، ولن أركزَ في دروسي مطلقاً. 
هو الضحكُ مجدداً ياجوانا، لماذا تضحكين كثيراً وكأن أحداً يلكزُ خاصرتك،
جين أشعرُ أني اترنحُ وأتمايل دون إرادة، اضحكي معي هيا ،  هذا من السهر ربما، بل أنتِ تتمايلين و تتماوجين أيضاً أيتها المشاغبة، 
كل شيء يدور بي، وخزانة الملابس اظنها جاثمةً على صدري، أمي :صوتي يجرحني وكأنني ابتلعت قطعة زجاج مكسور ، أناديكِ فيرتد صوتي خائِباً إلي، أتلمسُ دميتي جين ولا أجدها أين هي. 
أمي لماذا تصرخين أيضاً وتحاولين سحبي خارجاً، أريدُ دميتي لا أريدُ تركها وحيدة هنا.
 أنا اتألم هلّا ازحتِ هذا الثقل عني، قدمي عالقة وجسدي ثقيلٌ، هل هرب أبي بأخي خارجاً، مالذي يحدث اخبريني هل هذا بسبب ضحكي الأبله، لقد قلتِ لي سويعات سعادتنا تعقبها حفلات دموع، وعندما نضحك في الليل كثيرا نقولُ عساهُ خيراً ، هل احترقتْ يدُ أخي الثانية، أم يشعرُ بالثقلِ والدوارِ مثلي. 
 الجدرانَ تتشققُ بل تتهاوى، وأنتِ مازلتِ تصرخين، اخرجيني  حرري قدمي العالقة وصدري المختنق و أصابعي المشلولة ، ولن أضحك مجدداً  ولن أهذي بكلامٍ يسبق سني، هذا وعدٌ مني، سأسمعُ كلامك وسأنامُ  باكرا.
أمي لقد فرغتُ من دفتري و القبرُ الصغيرُ كان نهاية هواجسي وأخيلتي. 
آه لقد انتهيتُ من رسم الورود أيضاً ، مالذي يسيلُ من جسدي، لم أعدْ أسمعْ لهفتكِ وصراخكِ ، ها أنا أعقدُ الشريط الأحمر حول دفتري،  وأخيراً ها أنا أشعرُ بالنعاس الشديد. 
سأنامُ  مطولاً ياأمي، سأختبأُ في رئةِ هذا الفجر، وأحدثُ كل الصباحات وكل الفتيات الصغيرات بقصةِ صغيرةٍ لم تسمعْ كلام أمها، فسكنت آخر صفحة من دفترها…………… ونامت.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…