التوسل والتسول

عصمت شاهين دوسكي

لم يعد خافيا هناك أسوار ومسافات وأبواب ومكاتب وغرف مغلقة بين السائل والمسؤول ربما تكون مسألة طبيعية عند بعض الناس ومسألة عقيمة عند آخرين فالإدارة والمنصب والمسؤولية والقيادة فن وعلم يدرس في المعاهد والكليات والجامعات فالمسؤول والموظف وجد لتسهيل أمر المواطن ولهذا سميت الوظيفة بالخدمة المدنية أي خدمة الناس كأداء أمام العمل المؤدي فالدولة لها الأولوية في الاهتمام بالطاقة البشرية مثلما تهتم بالطاقة النفطية والزراعية والسياحية والاقتصادية خاصة الذي يتصف بالكفاءة الفنية والإدارية والإبداعية مما يساعد على تنمي وإعلاء وتحقيق معدلات عالية في النمو الاقتصادي والاجتماعي بعد دخول قانون مجلس الخدمة العامة الاتحادي رقم 22 لسنة 2008م حيز التطبيق ليتولى شؤون الوظيفة العامة ومهمات التعيين والترقية والتدريب للموظفين كونها تستند إلى الأسس العلمية والأساليب الفنية العصرية وهكذا البلدان المتقدمة تزود الجهاز الإداري بأكفأ العناصر من خلال اعتمادها على ثلاث مبادئ مهمة مبدأ المساواة ومبدأ الجدارة ومبدأ الدائمية هذا التمهيد مهم ليكون فاعلا في المجتمع وبين والمواطن والمسؤول 
ولو نظرنا برؤية بسيطة لوجدنا إن المسؤول بلا سائل مسألة غير منطقية ولو كان المسؤول بلا سائل فما جدوى وجوده ؟ المسؤولية تبدأ من البيت من أصغر فرد إلى أكبر فرد إلى أن تكبر دائرة المسؤولية من البيت إلى دوائر متعددة ومختلفة في المجتمع ثم لتكبر شيئا فشيئا إلى أن تصل لمقامات عالية الحضور والتأثير ، يا ترى هل من حق الإنسان أن يتوسل بالمسؤول أم من حق المسؤول أن يقدم ما هو بديهي للإنسان فهو وجد لخدمة السائل ” المواطن ” .. ؟ لولا هذا النظام الخدمي في حديث رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ ) في توجيه وإرشاد وأمل التقدم والارتقاء والوعي والطموح لما هو أحسن وتقديم ما هو أفضل لنيل شرف الإنسانية والتقدم من خلال العطاء بعيدا عن الفساد والأنانية والمصالح الشخصية التي تغطي على المصالح العامة ولو سألنا ما معنى التوسل والتسول معنى التوسل هو الطلب مع الدعاء و الرجاء ويكون في ارفع معانيه من المخلوق إلى الخالق ومن العبد إلى المعبود ومن الناس إلى الله، حيث يدعو الطالب متوسلا به إليه أو متوسلا بأحب أسمائه وأعظم نعمه أو رسله. والناس تتوسل إلى القادر المعروف مع تذلل. والتوسل فعل أو قول مصحوب برجاء بلا خجل من المتوسل مع حفظ كرامته وماء وجهه، مع رضا وقبول واستجابة عاجلة أو آجلة من المتوسل إليه . أما التسول فهو فعل أو قول وطلب يقع من الطالب اضطرارا قلما يجد من المطلوب منه تجاوبا، والمتسول هو ذلك الذي يضحي بكرامته وعزة نفسه ويغامر ببيع ماء وجهه بحرج. والتسول يصدر من محتاج أو مريض فيطلب ممن يقف أمامه بلا تمييز أو حسن تقدير. فالسائل المواطن العادي البسيط له طاقة ولا يتحمل أكثر من هذه الطاقة التي يتفاعل معها ووجد نفسه في ضعفها وقوتها مثلا الأزمات السياسية يتيه في لجتها والصراعات الحزبية تسود لون حياته في عينيه والأزمات الاقتصادية تقلل من زاده ويشتد جوعه وأزمة الكهرباء تزيد مساحة ظلامه وأزمة المياه تضيق من عطشه وأزمات الغلاء والغاز والضرائب الكبيرة والبطالة والجهل واللا عدالة كلها تصب في تدمير طاقته الإنسانية وأزمات مفتعلة أو طبيعية تكسر ظهره فأما أن يسلك طريق ٱخر الجريمة المخدرات السرقة الخيانة ويكون لقمة سائغة لميليشيات الفساد أو يموت وهو حي …وهو في الأصل يموت كل لحظة لأنه لا يتحمل كل هذا العبء الاجتماعي والضغط المعيشي الذي ينهك طاقته الوجودية وفي الحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَالَ : ” اِرحَمُوا مَن في الأَرضِ يَرحَمْكُم مَن في السَّمَاءِ”, من هنا كان لزاما أن تستغل هذه الطاقة البشرية للأعمار وليس للانكسار لدعمه في المساهمة لبناء المجتمع والبلد لا لتخريب المجتمع وانهيار البلد من هنا لابد وجود حالة من التفاهم الأخلاقي والوعي الاجتماعي والإدراك الوظيفي بين توظيف المكان الزائل من اجل الإنسان ، الإنسان الباقي كحالة وسطية بين التوسل والتسول المكاني والزمني والاجتماعي والعدلي فكلما ضاقت أموره واشتدت الأزمات عليه انهارت طاقته ونفذ صبره فليس بين السائل والمسؤول ذل وإهانه للأول والتكبر والغرور للثاني، فلا ينبغي أن يكون خراب الدار من أهل الدار هنا المصيبة الأعظم …أنا المسؤول وأنت المسؤول وهم مسؤولون )  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ” الصافات : 24 (” أيهما أفضل أن تسأل هنا وبشكل سليم تبرئ ذمتك وتعمل الصالح لنفسك ولبلدك وشعبك أم تسأل هناك يوم الحساب اليوم الانفرادي حيث لا منصب ولا جاه ولا حماية ولا أهل لا صديق ولا قريب ولا حبيب ..؟ يبدو سؤالا صعبا.. ولا يستسيغه البعض لعل سياق الكلام فيه ألم لكن الألم ايجابي يغرز الضمير ويوقظ غفلة النوم ولعل التأمل في مجريات الحياة تعيد ترتيب الأوراق وفتح الأبواب وتخطي عتبة الإحراج بين السائل والمسؤول وتقييد التوسل والتسول من اجل حياة أفضل للجميع .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…