ذاتَ مَـسـاءٍ

 إيـلاف مُـصـطَـفـى الـشَّـيـخ

_طرقتُ بابَ منزلي عندَ غُروب الشمس ، لحظةَ تأهُّبِ السماءِ لاستقبال القمر ، و غُروب الشمسِ رُوَيداً رُوَيداً من أحضان السماء ، والغُيومُ بعدَ عِناقٍ طويلٍ دامَتْ لبضع ساعاتٍ ، حتى في غُروبها مُشرِقةً مُتألِّقةً في قمَّةِ إبداعها ، إذْ أنَّ لونها البرتقالي البرَّاقَ آسرٌ لكلِّ امرئٍ يرى هذا ، حتى أنَّ البعضَ يعشونَ هذا المنظرَ ، يقفُ فى أعلى منطقة بإمكانهم الوصولُ إليها لرؤيتها ترحَلُ ، و ليودِّعونَها على أمل لقاءٍ جديدٍ ، يحملُ في طياتهِ آلافَ الأمنيات و الأحلام ، حتى يأتيَ ذلكَ الشيءُ المُخيفُ البشعُ القاتلُ بحلولِ الليل ، عندَما تذهبُ إلى سريركَ حاملاً خيبتَكَ في سريرتكَ بينك وبينَ نفسكَ ؛ حتى تغلبَهُ أو يغلبَكَ ، ومن نافذة غرفتكَ و أثناءَ احتدام معركتكَ معَ ذاتكَ من صوت سيوف القرارات ، و رمي رماحِ الحظِّ بينكَ وبينَ الأنا ذاتِكَ تسترقُّ بصرَكَ وبصرَ عدوِّكَ في المعركة ، و إذْ بكُما تَخِرَّانِ صَريعَينِ من سِحر جمالها و رونقها الآخَّاذ ، فصمتُها البرَّاقُ و هيبتُها الكريمةُ كأميرةٍ عادلةٍ تربَّعَتْ على عرش مملكة مظلومةٍ ، ها هي تشعُّ .. تسرقُ نظري ، و تستحوِذُ على تفكيري ، وتجعلُني أنسى تخطيطي لأعمالي غداً ، فإنَّ الجمالَ في حرم الجمال و الإبداع جمالٌ يا سيدتي .
إنهُ القمرُ حضرَ بجلالهِ ، ومن شدة هيبتهِ صمتَ الجميعُ إجلالاً لهُ ، انحنتْ لهُ القاماتُ ، وخلدتْ إلى النوم ، الكلُّ يعتقدُ بأنه جميلٌ ، و لكنْ هل فكَّرَ أحدُكم يوماً : من أينَ يستمدُّ قوتهُ و إطلالتهُ ؟ هل تساءلتُم يوماً : ما بهِ ما صمتُهُ هذا الذي يبثُّ لناظريهِ الوقارَ ؟ هل تعرفونَ ما داخلَهُ ؟ هل يُضايقُهُ ؟ هل نستطيعُ الحصولَ عليهِ .. نحتويهِ .. نُعانقهُ .. نرتمي ساخِطين في أحضانهِ ؟
لحظةً … أهذا مُحرَّم أم لا ؟ لأنهُ جميلٌ ، ولكن يصعبُ الوصولُ إليهِ .
أسفي .. لقد فهمتُ لتوِّي مصدرَ جمالهِ ، لو لم يحاصرهُ كلُّ هذا الظلامُ ، لم يكنْ ليُشعَّ قوةً ، ليُثبتَ جبروتَ صمودهِ لنا أمامَ حظهِ العاثر الذي يجعلُهُ يُعانقُ سوادَ الليل . 
لحظةً ، ما الذي آراهُ و يكادُ سواد الليل الحالكُ يطغى عليهِ ؟! 
هل يُعقلُ ما أراه ؟ 
ما هذا ؟ 
لا ….. إنَّ شعاعَ تألقها يخفُتُ رُوَيداً رُوَيداً .
ماذا حصلَ ؟ تمكَّنَ منها الحظُّ ، و لكنها قاومَتْهُ بشتى الوسائل ، أقسمَتْ أن تنتقمَ منه ، لتعودَ و تُشرقَ ، لتصبحَ شمساً تنيرُ دربَ الجميع .
تريدُ أن ترى حظَّها يتبدَّلُ من الأسود الحالكِ إلى الأزرق الهادئ اللون الذي يبعثُ الطمأنينةَ في النفس .
أجلْ ، هل هذا تحالفٌ بينها وبينَ الشمس أم ماذا ؟ 
أهي مِنفصمةٌ شخصيةٌ ؟ تارةً تشرق و تارةً تشعُّ ..
هل جُنَّ جُنونها ؟ 
كلا .
بل إنها في قمة العقلانيةِ ، تريدُ فقط أن تثبتَ للجميع أنها جبَّارةٌ رغمَ كل شيءٍ ، جبروتُ إردتها أقوى من كلِّ شيءٍ ، هيبةُ تصميها لامعةٌ ، و في النهاية تريدُ أن تقولُ : إنه مهما طالَ سوادُ الليل ، فلا بدَّ أن يبزُعَ نورُ الشمس ، و الشمسُ فهمتْها ؛ لأنها عاشتِ الموقفَ ذاتَهُ سابقاً ، فهي تحترقُ من أجلنا ، ونحنُ نتغزَّلُ بالأليم المتألِّم القمر ، وهم لا يعرفونَ أنه و لو لم يحاصرها ذلكَ السوادُ ، لما كانتْ جميلةً ، فمصدرُ تألُّقها الألمُ .
وتستمرُّ الأمورُ على المِنوال ذاتهِ إلى أن تخلدَ ذاتي و أحلامي معاً إلى النوم ، وتستيقظَ على أملٍ جديدٍ و نهارٍ جديدٍ ، يحملُ في ثناياه المفاجأتِ الجديدةَ .
 ألمانيا .. فرانكفورت .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

ليس الاختلاف نقصاً في نظام العالم، ولا عيباً في بنية الحياة، ولا شذوذاً عن قاعدة الخلق، بل هو القاعدة الخفية التي يقوم عليها كل شيء. فما من حركة في الطبيعة إلا وفي أصلها فرق، وما من ولادة إلا ووراءها تباين، وما من فكرة جديدة إلا وقد خرجت من احتكاك فكرتين، وما من مجتمع…

بدعوة رسمية من اتحاد الكتاب الصينيين، شاركت الشاعرة الفلسطينية د. نداء يونس في فعاليات المهرجان الدولي لشعر الشباب 2026 (الدورة الخاصة بالصين والدول العربية)، الذي أقيم خلال الفترة من 8 إلى 17 مايو، إلى جانب نحو 50 شاعرًا من 13 دولة عربية، و45 شاعرًا صينيًا، بحضور أكاديمي وجماهيري واسع.

وأقيم المهرجان بتنظيم مشترك بين اتحاد الكتاب…

عصمت شاهين الدوسكي

اشْتَقتُ أن يَكُون الدَمْع وَهْجَ اللِقَاء
تَأمًلُتُ أن يَلْتَقِي المَسَاء بِالمَسَاء
تَخَيًلْتُ أن يَقْتَرب هَمْس السَرَاء
اشْتَقتُ كَشَوقِ الظَمْٱن لِلمَاء
فَلا تَتركِيْني بَينَ الأرْض وَالسَمَاء
…………
أيُ خَمْر فِيكِ يَكْسُر كَأسِ اللِقَاء
أيُ رَشْفَة تُعَانِق نَبيذ الرَوَاء
لا جَرَم أهْذِي أمَامَكِ كَمَا أشَاء
يَقْتُلُنِي نَبيذكِ يَا مَولاتِي الحَسْنَاء
لا يهمني أمَامكِ أكُون مِنَ الشُهَداء
……………
قَلْبُكِ مَرهُون…

متابعة : عبداللطيف الحسيني

ملفّ Kovara Şermola مجلة شرمولا عن الشاعر Ehmed Huseyni العدد (28).
وللمشاركة باللغتين العربيّة و الكرديّة يمكنكم مراسلة الصديق العزيز Aram Hesen أو على الإيميل aramhesen11@gmail.com
الريادة والتجديد في مسيرة الشعر الكردي المعاصر :رحل أحمد حسيني تاركاً خلفه لغةً لا تنطفئ، وقصيدةً كانت بمثابة الجسر العصيّ بين أصالة الجذور الكردية في (عامودا) وآفاق الحداثة…