مازن عرفة يقدّم صورة واقعية عن المنفى في «الغابة السوداء»

صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية “الغابة السوداء” للروائي السوريّ مازن عرفة المقيم في ألمانيا.
تشير “الغابة السوداء” إلى منطقة تقع في جنوب ألمانيا، يعيش في إحدى مدنها لاجئ سوريّ، مصاب بما يُسمى نفسياً بـ”صدمة الحرب”، لكن العنوان يعبر أيضاً بطريقة رمزية عن الظلمة السوداوية داخل روحه، نتيجة الرعب، الذي واجهه هناك، ويطارده باستمرار في كوابيسه. 
يستيقظ بطل الرواية ذات يوم، بلا ذاكرة، ويجد نفسه في “مدينة أوروبية” آمنة، لا يعرف كيف وصل إليها، إنما دون أناس بالمطلق فيها. يجعله هذا يعيش وحيداً بهلوسات كابوسية عبثية سوريالية تتجاوز الكافكاوية، بحيث ينعكس مخزون لاوعيه في شكل من العوالم اللامعقولة من الجنون.
تُعبر هذه العوالم، ليس فقط عن رعبه، الذي يحمله في داخله، وإنما أيضاً عن الصدمة الحضارية الثقافية، التي يعانيها المُهجّر، في مواجهة مجتمع غربي بارد عاطفياً، مقارنة بالحميمة الشرقية الدافئة، التي كان يعيشها، مما يزيد الظلمة في روحه. مع ذلك، فإن خروجه المؤقت من “منتجع المعالجة النفسية” يسمح بتقديم صورة واقعية عن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، في محاولة لفهم كوابيسه.
وكما أن “الغابة السوداء” تشتعل جغرافياً بالحياة؛ مدناً، وأناساً، وحكايات، فتصبح منيرة، فإن مواجهة البطل لحكاية رعبه، ينبغي أن تبدد ظلمة روحه. ويتم ذلك عبر تسجيل حكايته في “شجرة الذكريات”، وهي شجرة حقيقية في الغابة، تحوي تجويفاً، يضم دفتراً، يسجل فيه العابرون بها حكاياتهم.
يشار أنّ لوحة الغلاف للفنان الكردي السوري خضر عبد الكريم وتصميم الغلاف للشاعر والفنان ياسين أحمدي. وتقع الرواية في ٢٠٦ صفحة من القطع المتوسط.
تعريف بالمؤلف:
مازن عرفة، كاتب وروائي سوريّ مقيم في ألمانيا. حاصل على إجازة في الآداب – قسم اللغة الفرنسية – جامعة دمشق – 1983. حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة ماري كوري سكودوفسكا في مدينة لوبلين – بولونيا 1990. من مؤلفاته: “وصايا الغبار”، “الغرانيق”، “سرير على الجبهة”، “تراجيديا الثقافة العربية”، “سحر الكتاب وفتنة الصورة: من الثقافة النصية إلى سلطة اللامرئي”. 
من الرواية:
علّمتني التجربة هنا، أنّ الألمان بطبيعتهم الاجتماعية انعزاليون، منغلقون على أنفسهم. من الصعب التحدث معهم في الشارع، دون سبب أو مناسبة. عندما يحييني أحد الجيران، على موقف الباص، فبداعي السلوك الحضاريّ، يحييني فقط، من دون أي ودّ حميميّ، ومن دون أي استرسال في الحديث. يحدث هذا، بعكس احتفالياتنا الطقوسية العربية للمحادثة، حتى مع غريب، نلتقي به أوّل مرة. لكن اليوم مع إيزي، يتوقّف أمامي معظم زبائن المخزن، الذين لا أعرفهم. يقتربون منها، ويداعبونها، ثم تنهال عليّ الأسئلة الودودة “ما اسمها؟ كم عمرها؟ ماذا تأكل؟ هل تنام معك في السرير؟ كم مرّة تخرجان إلى النزهة؟”. لا أدري من أين حضرت جحافل الألمان، في نصف الساعة هذه، تسألني عن الكلبة… عندما أخبرت أندريا بما حدث، أجابتني ضاحكة “تربية كلب هنا هو خطوة مهمّة على طريق الاندماج الاجتماعي، وتعلم اللغة”.
أتذكّر ما رواه لي مارك منذ زمن “كان لدينا قطّ جميل، يعيش معنا في المنزل، كأحد أفراد العائلة. مرض فجأة، فاضطررنا لإدخاله إلى “العيادة البيطرية”. وبما أنّ حالته الصحية ساءت، نقلناه إلى غرفة “العناية المشددة”. يكلفنا اليوم الواحد فيها ثلاثمائة يورو. لكن بعد خمسة أيام من الغيبوبة، وافقت العائلة على رأي الطبيب المعالج بـ”القتل الرحيم” له. وبحضور أفراد العائلة، تمّ دفنه في الحديقة بطقوس جنائزية، وزرعنا ورداً على قبره. وخيّم الحزن على البيت عدة أسابيع”.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

باسم إدارة وهيئة تحرير موقع ولاتي مه، نتقدم إلى الكاتب م. محفوط رشيد بأصدق مشاعر التعزية والمواساة في رحيل زوجته المغفور لها بإذن الله صافو مجيد حسن، شقيقة المرحوم الكاتب والسياسي توفيق عبدالمجيد حسن ، بعد رحلة طويلة من المعاناة مع المرض.

لقد تلقينا هذا النبأ…

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويقدّم عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية بالتأمل،…

خليل عبدالقادر Kalil Kader

في تلك السنوات وفي تلك المدينة” الحسكة” التي كانت تعيش على ضفاف الخابور كنت أسترزق من تعبي وبعرق جبيني. وكان لي ملف محترم عند فروع المخابرات” ماركسي يتعاطف مع الكرد. حاولت أكثر من مرة أن أبدّل هذا التصنيف، لكنني فشلت. كانت الأجهزة الأمنية أكثر تمسكاً بأفكارها عن الناس من الناس أنفسهم.
كان أصدقائي…

صبحي دقّوري

لم يكن رحيل إدغار موران خبرًا عابرًا في صحيفة، ولا تفصيلًا ثقافيًا يضاف إلى سجل الغياب الطويل. كان رحيله انطفاء مصباح فكري ظلّ، طوال قرن كامل، يضيء زوايا العالم المعتمة، لا بضوء اليقين المتعالي، بل بضوء السؤال، والشك، والربط، والإنصات العميق إلى تعقيد الإنسان والتاريخ والحياة.

رحل موران، لكن فكره لا يرحل. فبعض المفكرين يموتون…