«متلازمة ديسمبر» والكاتب الذي لن يُغيّر عادتهُ…

صفاء أبو خضرة| الأردنّ

من باب المشاكسة ليسَ أكثر ذكرتُ بأنّ الشاعر والكاتب فراس حج محمد لن يغير عادته، منذُ قراءتي الأولى لهُ في كتابه “نسوة في المدينة”، وفي قصائده الكثيرة، وفي مقالاته العديدة وحروفه التي يثير فيها القارئ مستدعياً البحث في نفسهِ عن صاحبات تلك الحروف، ولا أُنكر فضولي هنا من باب علاقتي مع اللغة والحرف.
في هذا الكتاب “متلازمة ديسمبر”، لن يصعب على القارئ أن يحدد فكرة معنى متلازمة، وديسمبر تحديداً لأنّ كثيراً منا يعانون من اكتئاب هذا الشهر الذي يثير الذكريات، فالبرودة التي يستهلّ بها هذا الشهرُ طريقتهُ في إثارة الذكريات ورائحة التراب وتساقط أوراق الأشجار بعد اصفرارها، كلّ ذلك مبعثهُ عند البعض إيجابي وعند الكثير يُحرّك سكون الألم.
وكاتبنا هنا يُعاني من اكتئاب هذا الشهر، ومن يقرأ  الكتاب سيعرف تماماً أنّ بركاناً ما كان خامداً طيلة الوقت وانصهرت حممهُ فجأة، وتشكلت في هذا الكتاب على شكل قصص وحكايات ورسائل ومذكرات… وحروف أيضاً.
في مستهلّ الكتاب كانَ الإهداء إلى سيدات من حروف لسيدات ربما لا يعرفهن سواه، ما يثير القارئ للولوج إلى فضاء هذا العمل ربما بحثاً عن صاحبات تلك الحروف، وربما ليرى أثر فعلهنّ عليه. وقد استدعى الكاتب تجاربهُ الخاصة ومخيلتهُ أيضاً في نتاج سردهِ وقصصه حتى يكاد القارئ يخلط فلا يميز ذلك الخط الرفيع بينهما، وهنا قد أحسب لهُ هذه الجرأة لطالما حاول كُتّابٌ كثرٌ التخفّي خلف شخصيات قصصهم ورواياتهم فيقولون ما يريدون عبرَ لسانها رغم أنهُ في بداية الكتاب تركَ إشارةً بأنّ السادر في القصص هو شخصٌ آخر غيره فتبرّأ من لسانهِ وحواديتهِ.
لكنّ فراس حج محمد، من أول كتابه هذا حتى نهايته كانَ واضحاً سلساً، وجريئاً ويكتب بصيغة المتكلم المتحدث عن نفسه وأبطاله بلسانه وحدهُ، لذلك لم يترك مجالاً لدينا إلا لقراءة الكتاب بعين المتلصّص والباحث عن نساء مختبئاتٍ هنا وهناك تمتّ الحروف التي استهلّ بها كتابه لهنّ بصلة. خاصة وأنه في نصه المعنون بـ (بعيداً عن الفضول) جهّز مصيدتهُ وفخاخهُ ليصطاد بها قارئه. إنهُ الفضول لا محالة. 
ورغم أنّ الجزء الأول من الكتاب كانَ أقرب إلى “نسوة في المدينة”، لكنهُ مختلفُ تماماً عن بقية كتبه في الأجزاء الأخرى من الكتاب، فقد انتقل انتقالاً سريعاً ونوعياً، ليتحوّل السرد إلى قصص ورسائل، وفي بعضٍ منها هواجس ورسائل وذكريات، لقد كان الكتاب عاصفاً بكلّ ذلك في قصتهِ المعنونة بـ (ما حدث في مكتبي هذا الصباح) ثمة مشهدٌ سريالي يشدّنا، ومن جهتي أحببتُ هذا الأسلوب؛ فهو يتفق جداً مع مخيلتي لطالما أرى كلّ الأِشياء الجامدة من حولي متحركة، فكيف تكون تلك المتحرّكات أبطال قصص وروايات، وقد طرح أسئلة مهمة ربما علينا ككتاب روايات أن نحتاط لهذا الأمر فيما إذا حدث وخرجت الشخصيات، وكان بإمكانها أن تعبّر عن لسان حالها وحدها دون تدخل الروائي.. يا للمصيبة!
أما في يوميات شتاء قارس، نجدُ أمامنا كاتباً قد يكون مشروعاً روائياً قادماً، ولم أسأله فيما إذا كتب رواية من قبل، وربما كتب ولا أدري، لكنيّ خمنتُ، ففي هذه القصة تحديداً ثمة نفسٌ روائي، من حيث الأسلوب وطول النفس، وطريقة الطرح، والتشويق، والوصف الحركي والحسي للأشياء والبشر والأماكن، لذلك أقول (الله يستر من رواية قادمة تشعّ الحروف منها كثيراً ولا نعرفُ لنا سبيلاً في البحث والتحرّي)، لذلك يا فراس هوناً علينا.
كما ولا يخلو الكتاب من أسلوب لن أستطيع القول عنهُ إنهُ ساخر بقدر ما هو قصف لغوي غير مبطّن؛ إنما واضح وصريح في (يوميات “هدى” العاصفة”). يتنقل فراس بينَ أسماء كثيرة لهدى ليست واحدة على الإطلاق إنما “هديات” كثيرات في مجالات عدة ومختلفة ما بين كاتبة وشخصية تلفزيونية أو مسرحية وصديقة وحبيبة وجارة ومغدورة، هكذا يهيئ لنا في البدء ولكل منها قصتها التي اختصرها بعبارة لاذعة يحقنُ فيها جرعةً ساخرةً نقدية لغاية في نفس الكون، لنجد أن العاصفة التي أطلق عليها “هدى” وراح ضحيتها الكثير، هي محلّ حديثه كله في هذا الجزء من الكتاب، وقد أسقط فيها نقدهُ لمجتمعات تلقي أعباءها وتهمها وتسيء الظن وتعلق خيباتها وأسباباً كثيرة لا محل لها من الإعراب الآدميّ على عاصفة، مجرّد عاصفة، متبرئين من شياطينهم التي سكنتهمُ وألقوا عباءة لومهم عليها، لتكون هي المتهمة الوحيدة بكل أسباب الألم والموت وأشياء أخرى.
وفي جزء “أوراق لم تسقط عمداً” يدخل إلينا فراس بأسلوب الرسائل مخاطباً أحداً ما؛ ربما حبيبته، ربما غيمته، ربما كتبهُ، إنما يخاطب أنثاه بشكل عام، أنثاه التي خلقت كلّ ذلك العصف، حتى لو كانت متخيّلة، وقد امتازت هذه المرة رسائله بحس حزين، يتخللهُ الحسرة والشوق والفقدان، لقد كان الوجع يتطهر بكلماته، فخرجت إلينا على شكل حكمة لها صداها تبحث في الحياة عن معنى الأشياء على حقيقته الباهتة لا المتلونة.
“متلازمة ديسمبر”، كتاب غني وزاخر وجريء كان لي وقفات كثيرة معه حيناً، وحيناً آخر ضدهُ، فبعض الحكايات مكانها درج خفيّ في الذاكرة، وبعضها الآخر لا ضير وإن خرجَ الى النور، لكنّ الكاتب كعادته لا أدراج عندهُ يخفي فيها حروفه ولا أقفاص، يحبّ كلماته كالعصافير مكانها الفضاء… الفضاء فقط.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…