الطنبورة الخائنة

د. آلان كيكاني

راق لي وأنا طالب في إحدى سنوات الجامعة أن أتعلم العزف على الطنبور، هكذا من غير مناسبة سوى أنني كنت أحلم أن أعزف وأغني لصبية كنت على إعجاب بها.
لم أنتظر طويلاً، قصدت السوق وأخترت أجمل آلة، ذراعها طويل وملبس بالصدف، ولها ستة أوتار تلمع حتى في العتمة، أما صندوقها العريض فمن خشب الزان. انبهرت بها ودفعت ثمنها من مصاريفي الخاصة وزففتها بفرح إلى غرفتي المستأجرة وعلقتها على الحائط، لكن كيف السبيل إلى تعلم العزف عليها؟
استمعت إلى معزوفات محمد عبد الكريم وسعيد يوسف ومحمد شيخو وعازار حبيب وعارف ساغ لكن دون جدوى. مزقت الأوتار مراراً وتكراراً وفي كل مرة اضطررت إلى التذلل لصاحب متجر للآلات الموسيقية ليعيدها لي كما كانت لكن دون فائدة.
خجلت من أن أدرج نفسي في إحدى دورات التعليم خشية من أن يقال عني ما لا أود سماعه. فقريباً سأكون طبيباً، وعليّ أن أتسلح بالجدية وأترفع عن الاهتمام بسفاسف الأمور ورذائلها مثل العزف والغناء وخفة الدم المفرطة!  … وعلى هذا كيف سأحمل طنبورتي على ظهري وأقصد مراكز تعليم الموسيقى؟ إنه عار ما بعده عار!
وأنا أدندن عليها بأصوات نشاز أسمع أحيانا ولولة فاطمة، صاحبة الدار، من الغرفة المجاورة توبخني على إزعاجي لها وتنهي توبيخها بالقول:
وليتك كنت تعزف ما يستحق السماع يا ولدي، لكنتَ أطربتنا على الأقل!
فأعيد طمبورتي إلى مكانها منتظراً فاطمة لتخرج من البيت. ألا ينبغي أن يلعب الفأر إذا غاب القط؟
في الأثناء سمعت عن عازف ماهر. قيل أنه طالب في كلية الحقوق فزحفت نحوه حتى أدركته ودعوته إلى البيت، فلبى الرجل الدعوة بسرور. وما إن وقعت عيناه على الطنبورة حتى تهلل واستبشر وتلقفها واحتضنها ومرر الريشة على أوتارها ورؤوس أصابعه على ذراعها عازفاً بأجمل الألحان … وهنا كانت دهشتي… إذ كيف لطمبورتي أن تصدر هذه الأنغام الجميلة؟ كيف لها أن تمارس كل هذا الشقاء العذب وهي منذ أن اقتنيتها عودتني على الكسل والملل؟!
وبينما كان جليسي يتلذذ بعزفه كنت أتأمل طنبورتي بين يديه وأناجيها في سري:
أيتها الخائنة لماذا لا تصدرين هذه الأصوات وأنت بين يديَّ أنا؟!
بالكاد علمني لحناً بسيطاً قبل أن ينصرف. لكنه دلني على عازف أكثر منه مهارة وخبرة، على اعتبار أنه كان على أبواب التخرج.
وسرعان ما استدرجته هو الآخر، ودعوته فحضر، وراح يبدع في العزف على طريقة الباغلما بعد أن انشغل قليلاً بشد هذا الوتر وإرخاء ذاك في عملية سماها الدوزنة.  وراحت طنبورتي تتلوى في أحضانه مثل سمكة شقية، وأنا أمعن النظر إليها بفم مفتوح:
آه أيتها العاهرة..
وبعد انصراف ضيفي بقليل تناولت ذراع طنبورتي ورفعتها عالياً قبل أن أخبط بها بلاط الغرفة وأنا أكز على أسناني، فارتجت البناية كلها وسرى دوي هائل في الأرجاء واقتحمت فاطمة غرفتي:
ماذا هناك يا ولدي؟
وعندما أدركتْ الموقف مدت ذراعها الأيمن إلى الأمام وحركت أناملها:
الأصل في هؤلاء أيها المجنون وليس في الآلة المسكينة.
ورحت ألملم حطام طنبورتي بوجه عبوس ورأس مطروق ونفس مطوية. ومن شدة الغيظ كنت على وشك البكاء.
وبعد قليل وقبل أن أخرج للتفسح واجهت فاطمة عند مدخل البيت، قالت دون مقدمات:
اسمع يا ولدي، مساحة بلدنا مائة وخمسة وثمانين ألف كيلو متر مربع، ولنا أنهار لا تحصى، وإسرائيل مساحتها خمسة عشر ألف كيلو متر مربع، وتتسول الماء من هنا وهناك، لكن المفارقة أن إسرائيل تصدّر القمح ونحن نستورده……..
أدرت ظهري لفاطمة وانصرفتُ مستغرباً.
أنا على يقين أنها تهذي بعد أن شارفت على الثمانين وإلا ما مناسبة هذا الكلام؟!
=================================
موجز عن الأصل
من مجموعة قصصية قيد الإنجاز

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أجرى الحوار: عبدالقادر حسن

لم تكن ميديا حسين مجرد حارسة تقف بين القائمين في طريق منتخب سوريا نحو لقب غرب آسيا، بل كانت واحدة من أبرز بطلات المشهد، بعدما تحولت لحظة تصديها الحاسم لركلة الترجيح أمام لبنان إلى صورة تختصر الإصرار والهدوء والثقة.

ابنة الحي الغربي في قامشلو، القامشلي، القامشلية… سمِّها ما شئت، نشأت…

جوان سلو
“كاتب وناقد أدبي”

هل نحن نفكر؟
من الذي يجعلنا نفكر؟
ما هو المسار إلى التفكير؟
بهذه الأسئلة الوجودية يصدمنا الكاتب بكتابه ومعادلاته الفلسفية، ويفتح لنا أبوابا من التفكير في ماهية العقل والإدراك، ويدعونا كي نغوص معه في بحر فلسفة أساسها الواقع، لما لهذه الأسئلة من أهمية في حثنا نحو التقدم إلى الأمام ومعرفة طبيعة…

نصر محمد

جوان سلو إنسان محب كالنهر، كزهرة، كقبلة، يجد لذته بعد كتابة النص بلحظات لا توصف لجماليتها، يحس بسعادة السلام الداخلي كحجلة ترعى أفراخها أعالي الروح. تهيمن على روحه الطبيعة في كل الفصول، وفي أودية قلبه براكين معاناة سريالية تجعله يكتب ولا يشبع.

قبل أن أدخل عالم القراءة، يجب إعطاء لمحة للقارئ عن الكاتب.

جوان…

صبحي دقوري

أصبحت ظاهرة اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي عامة، تمتد إلى الكتابة والترجمة والبحث والنشر. وها هي المكتبات ودور النشر يوشك أن يجتاحها سيل من الكتب المصنوعة آليًّا، غير أن كثيرًا منها لا ينتفع بهذه التقنية بوصفها أداةً مساعدة، بل يأخذ ما تنتجه حرفيًّا، من دون مراجعة أو تدقيق أو مساءلة أو إضافة إنسانية. وهنا تكمن…