في وداع ميلانيادا الحفيد

ابراهيم محمود
تتقاسمنا طرق وجهات، وما أكثرها ، كما تتجاذبنا مخاوف وتوقعات وما أكبرها، كما تشغلنا آمال وآلام، وما أميزها، ونسبة الأخيرة أكثر، لحظة النظر في متغيرات الظروف والأحوال. حيث الطرق تستحيل أكثر غموضاً، والجهات أكثر تكتماً بمتضمناتها، وبلا لا يقاس.
الساعة الثالثة وعشرين دقيقة من صباح الأربعاء( 8-11/ 2023 ) كنا، العائلة ” رفيقة الدرب ” وأنا في وداع حفيدنا الصغير ” ميلان ” ذي السنوات الثلاث، صحبة أمه ” ابنتنا الوحيدة : سولين ” في مطار أربيل الدولي إلى ألمانيا . وأقول” حفيدنا ” لأن المرء من باب الدقة يمد في أمله صوب الآتي حباً بولد الولد، وحرصاً عليه، رغم مكان الولد: أنثىً أو ذكراً. كنا محكومين بالزمن الذي يفرضه علينا هذا الطريق أو ذاك، أو هذا المنعطف أو ذاك، بمقدار ما نزداد قرباً من المطار، حيث تكون المشاعر مغايرة، جغرافيات متقاربة ومتباعدة، عائلات متقاربة ومتباعدة.. أي مفهوم يتشكل إذاً في وضع انقسامي عائلي كهذا، ولا تعود اللغة عينها، ولا القلوب التي تنبض في ضوء أحاسيس تلوّنها الأمكنة وجهاتها، الأسفار الجوية، البرية، والمعابر الحدودية. ما نسبة حضور هذه التنقلات التي تستهلك من العمر الكثير، ومن المخاوف الكثير، ومن الألفة العائلية الكثير، والعلامة الفارقة للمكان الكثير؟؟
مشهد واحدٌ، كمثال حي، يكلّف باهظاً: حين تمضي صحبة من تحب، لتودعه، ومعه حقائبه: المشاعر والأحاسيس الضاغطة في حمولتها أكثر ثقلاً، لحظة النظر فيها، من حمولة كل الحقائب المرفقة بالمقابل بمفهومها النفسي. عليك أن تسلّم نفسك لسريان فعل تدفق نهر المسافرين، ربما يعطى لك حق مباغت ” خلسة المختلس ” في أن تطفر دمعة شاردة من عينك ، وأنت تحتضن قريباً لك، وما للقريب من مكانة مختلفة تبعاً لموقعه في القلب، الروح، والوجدان، وتمنح العين سوية العمل للتحرك إلى الأمام، فلا مجال للتوقف، فهناك آخرون ينتظرون المرور، وثمة آلية أنت محكوم بها، لأن الزمن في مرجعيته المطارية، محسوب بالثواني، يمضي المسافر إلى الأمام، أنت ترتد إلى الوراء، في المسافة الفاصلة تتعمق هوة المشاعر، القلوب تهتز لهذا التباعد..إنه المكان اللامكان، ونحن مأخوذون بالمكان وارتجاجاته ..
نقول رغم ذلك: لابأس، نقول: الحمد لله، نقول: هذا لا يتحقق بيسر لأي كان.. صور تتدفق، تعبيراً عن أن رابطة عائلية تأبى الاستسلام لهذا الانفصال، رغم ” أنف المكان ” ثمة المكان الذي يشمت، لأنه لم يحب كما كان هو الآخر .
أسفارُ ذهاب وإياب، أي تكوين نفسي يتراءى ؟ أي علاقات تتشكل؟ ثمة ما يستحق التسمية حين تلتقي في السياق بمن لم تلتق بهم منذ زمان معين. كما كانت مناسبة صحبة مناسبة، طي مناسبة، حين أمضينا ساعات لها حميميتها وانجراحاتها النفسية، في بيت ” أبو أحمد: الصديق فرمان بونجق ” لكم أنسونا تعب الطريق، ووحشة المكان بعموم أفراد العائلة، رغم أن عائلتهم كغيرها لم تعد هي عينها، وفي كرم الضيافة ما يترجم سخاء الروح في احتضان الآخر. هكذا أمضينا ساعات لها عبقها الماضي والممتد إلى الآتي في بيت ابن الأخت ” سامان ” ورفيقة دربه ” نوروز ” وابن الأخت الآخر” محمد “، وقد خففوا عنا الكثير من المتاعب، وفي البيت تتعالى ضحكات بريئة لمن يعيش الحياة بفطرته” لولديهما: بيلين وجان .
تلك دورات للحياة. جهات مختلفة تتقابل. لغات تدخل على الخط، نصبح غرباء على بعضنا بعضاً، الاتصالات وحدها لا تستطيع تجاوز المسافة الفاصلة، فنحاول الدخول في عقد اجتماعي من نوع آخر، لنحسن التكيف الصعب مع المستجدات، بين استقبال ووداع. فميلان حفيد من بين عشرة أحفاد” سبع إناث، وثلاثة ذكور ” موزعين بين كل من بلجيكا ” بيلين ” الوردة السمراء ” وألمانيا : في هامبورغ ” أويانا، آورينكَ وبانا ” الوردات الجميلات القوام ” و” ميلان ” في كولن، والإمارات ” مع آيان وإبراهيم ” المترعين بالحياة، وفي دهوك ، مع ” هريم، مينه، وشانا ” المأخوذين بالحياة طبعاً..ونحن نمتلىء بظلال طفولة الجميع. نحاول أن نشدد على قلوبنا في أن تكون أكثر قابلية للتمدد كما تتطلب الأمكنة، الأزمنة، واللغات، ونوهم أنفسنا أننا نستطيع التكيف حباً بالحفدة” الأحفاد ” حباً بالأبناء والبنات، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، باسم الواجب العائلي، وباسم حياة أكبر وأعمق وأكثر تكلفة، لأن ثمة تضحية لا بد أن تُسمى هنا، كما هو المرجو أو المطلوب، كما هو الغصن الشجري الذي ينحني تحت وطأة ثقل الثمرة حباً بها. سلام لكل الثمار وأشجارها العامرة بالحياة والمتوخاة طبعاً طبعاً.
في العودة إلى ميلانيادا، في المضي إلى ميلانيادا، حضور لكل الذين يحتضنون أحفادهم وأولادهم، ويوسّعون المساحة المطلوبة والمقدرة في قلوبهم، دون إشعار مباشر من أي كان، ليعيش الأولاد والأحفاد أماناً أكثر، وإن لم ينظروا إلى الوراء، حيث هناك من يتابعونهم، وكلهم رجاء رجاء  في أن يعيشوا حياة غفلاً من النوعية التي يعيشها أهلوهم هنا وهناك، ونحن من بينهم ضمناً .
دهوك –في 8-11/ 2023 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…