المعيار التعليمي

ابراهيم البليهي

في غمرة الضوضاء والانشغال والتضخيم المفْرط المصاحب للعملية التعليمية تغيب الكثير من الحقائق المفصلية في تقدم العلوم وفي التحولات الحضارية الحاسمة كما تغيب ضحالة التعلُّم قسرًا أو اضطرارًا ….
تدل هذه الحقائق على أن التفوق المدرسي والتعليمي عمومًا ليس معيارًا للنبوغ فالمعايير التي يقوم عليها التعليم في مختلف المراحل هي معايير تتناسب مع قدرات عموم الدارسين ولا تتطلب قدرات استثنائية …..
نيوتن بالمعايير المدرسية والتعليمية لم يكن متفوقًا فقد نظر إليه معلموه في التعليم العام على أنه تلميذ ربما أقل من المتوسط وحتى لوكان متفوقا مدرسيًّا فإن الدلالة ضعيفة فالتفوق التعليمي قائم على الاجتهاد والذاكرة وليس على النبوغ ….
نيوتن كان عاديا في مرحلة ما قبل الجامعة واجتاز الدراسة الجامعية بمستوى عادي ولم يُظهر أي تميز تعليمي ….
لكن هذا الطالب العادي في المعيار التعليمي كان خارقًا خارج المجال التعليمي: فمنذ أن وُجِد البشر وهم يرون الأشياء تسقط وقد اعتادوا على ذلك بحيث أن هذه الظاهرة لم تُحْدِث في عقول كل الأجيال السابقة أي تساؤل لكن نيوتن وحده تساءل حول هذه الظاهرة العجيبة التي حجبها التآلف ووجد الحل الخارق كما توصل إلى قوانين الطبيعة فأصبح أعظم شخصية علمية وقد كان
 التعليم يرى أنه شخص لا يلفت النظر …..
وبعد نيوتن فإن الرجل الثاني في علم الفيزياء فراداي قد جاء من خارج المؤسسة التعليمية حيث لم يتلق سوى تعليم مبدئي مكَّنه أن يتعلم على نفسه لقد كان من حظه وحظ العلم وحظ الجنس البشري أنه التحق بالعمل صبيًّا لدى مجلد كتب فاستثمر التآلف مع الكتب ليصبح الرجل الثاني في علم الفيزياء ….
آينشتاين كان تلميذًا دون المتوسط في المقررات التي لا يهواها بشكل تلقائي لكنه كان باهرًا في الفيزياء وفي الرياضيات وهذا يؤكد فاعلية الشغف كما يؤكد الفاعلية العكسية للتعلم قسرًا أو اضطرارًا …..
ليس هذا فقط بل إن الثورة الصناعية تحققت بواسطة جيمس وات وريتشارد آركرايت وكلاهما علَّم نفسه كما هو شأن فراداي وبسبب الثورة الصناعية وفورة حركة الملاحة ومغامرات الاكتشاف تغيرت اهتمامات العلوم ودخلت في مجالات الاقتصاد والمجالات العملية ….. 
والكل يعرف بأن المدرسة قد اعتبرت توماس أديسون غير قادر على التعلم ….
والأخوان رايت علما نفسيهما فحققا اختراقا مذهلا. وليست هذه الأسماء سوى نماذج …..
وبعد كل التطورات الحضارية سوف يكتشف العالم بأن التنشئة العلمية تتطلب أسلوبًا جديدًا تمامًا مغايرًا للأسلوب السائد في كل العالم فلم يعد تقديم المعلومات يعني الكثير وإنما المطلوب خلق الشغف بالمعرفة وبناء قدرات التفكير وتدريب الأجيال على الاستخدام الأرقى لقابلياتهم ……

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

“أنا أحببت وليد دقة، لأنه مات، فلا يأتي منه شرّ ألبتة، أصبح فعلاً ماضياً منجزاً على هيأة شهيد أو قدّيس”. هذه كانت إحدى مراسلاتي التي كتبتها عبر الواتس أب على هامش مناقشة كتاب وليد دقة الجديد “بائع التذاكر”. وأما مناسبة هذه الجملة “غير المهذبة” ما مارسه ويمارسه معي شخصياً بعض الأسرى قبل…

لم يكن دخول دينيز أونداف إلى ملعب تورونتو مجرد تبديل هجومي عابر في مباراة متوترة، كان أشبه بفتح باب جديد في حكاية مهاجم ألماني من أصول كوردية إيزيدية، شق طريقه من ملاعب الظل إلى قلب المونديال، ثم وجد نفسه في ليلة واحدة بطلاً كروياً لألمانيا ورمزاً وجدانياً لجمهور كوردي واسع رأى في رقصته بعد التسجيل…

نظم مكتب منتدى الكلمة الحرة بالتعاون مع مركز دراسات الشرق للسلام ندوة حوارية بعنوان «دور المرأة الكردية في الحياة السياسية في سوريا»، وذلك في مكتب المنتدى بمدينة قامشلو، بحضور نخبة من المثقفين والسياسيين والمهتمين بالشأن العام.
شارك في الندوة كل من السياسي الكردي الدكتور سعدالدين ملا والناشطة بشيرة درويش، حيث تناولا مسيرة المرأة الكردية ومساهماتها في…

د . مرشد اليوسف
صمت أوصمان للحظة، ورفع عينيه نحو السماء المرصعة بالنجوم، كأنما يستشيرها في ما قال.
كان خورشيد منصتاً، لم يقطع عليه، بل ترك كلماته تتراقص في فضاء الحوش كما يتراقص الغبار في شعاع الشمس.
ثم قال خورشيد بصوت هادئ:
كلامك جميل يا أوصمان، جميل كأغنية المطر الأولى، لكنه هشّ كزبد البحر.
أنت تريد أن ترفع الجبال،…