مساحة شخصية.. عبد العزيز سعود البابطين الشاعر المؤسسة

فراس حج محمد| فلسطين

يرحل الشاعر عبد العزيز البابطين في اليوم السبعين للحرب على غزة (15/12/2023). كانت مؤسسة البابطين أول من انتبه إلى ضرورة توثيق معركة طوفان الأقصى شعراً، فأعلنت عن جائزة بثلاثة فائزين، لأفضل نص حول هذا الحدث الذي استشعر القائمون على المؤسسة عظمته منذ الأيام الأولى للحرب، كما كانت قد التفتت إلى استشهاد محمد الدرة عام 2000 لتخصص أيضا له ديوانا كاملا بأقلام نخبة كبيرة من الشعراء.
إن مثل هذه الانتباهات الثقافية في سياق الحرب والأوضاع السياسية والعسكرية القلقة لتؤكد تناغم الثقافي مع السياسي في معركة مصيرية واحدة، لهذا فإن المؤسسة لم تتراجع أو تخفت حماستها، وهي ترى الغرب ينقض بوحشية على المقاومة بغزة، ينقض سياسيا وعسكريا وإنسانيا، وينحاز إلى المحتل الغاصب. لم تأبه هذه المؤسسة التي أسسها الراحل الكبير على قيم الحق والحرية والسلام المبني على الحقوق والعيش بكرامة، لم تأبه لكل الدعوات التي تصف قادة المقاومة بأنهم إرهابيون، لأن ميزانها واضح وبوصلتها لا تميل ولا تحيد عن الحق، فمن حق الشعب الفلسطيني أن يقاوم محتليه ويتنزع حريته من بين مخالب الغول، وهي بذلك متناغمة أيضا مع دعم دولة الكويت للشعب الفلسطيني في معركته المصيرية من خلال مواقفه السياسية الرسمية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والإنسانية.
لقد لفت هذا الفعل الثقافي لمؤسسة عبد العزيز البابطين نظر مؤسسات أخرى لتعلن عن مبادرات ثقافية شبيهة. ولم تقف المسألة عند المبادرات الجماعية بل انفجر الشعر في دواوين كثيرة تحمل اسم “ديوان طوفان الأقصى”. واستطعت الوصول إلى بعضها إلكترونياً، وتعدى بعضها اللغة العربية ليكون ديواناً شعريا ضخما باللغة الإنجليزية.
لم يقف أثر الطوفان على الشعر فقط، بل امتد إلى أن يكتب أحد الأساتذة الأفاضل كتاباً جمع فيه الأحاديث الشريفة التي تؤيد الفعل الجهادي في غزة، وسمّها على غرار الأربعين النووية “الأربعون الحماسية- أربعون حديثاً تتعلق بجهاد حماس على فلسطين أرض المسلمين”، وكتاب فتح الهادي في فضل الجهاد (طوفان الأقصى) للدكتور ياسر جابر الرشيدي، عدا الكتب الفكرية والسياسية والأبحاث والمقالات، وهي كثيرة، صعبة الحصر والإحصاء. هذه الحركة الثقافية الفكرية المشتعلة أحيت الأمة، لأن طوفان الأقصى كان حدثا عظيماً بالفعل. 
أظن- دون أن أكون مبالغاً- أن كل هذا الذي يحدث الآن من التفاتات ثقافية كبيرة ستأخذ مكانها على رفوف المكتبات العربية وعلى طاولات البحث للنقاد والدارسين أشعلت فتيله هذه المؤسسة الكبيرة الفعل والأثر، لما تتمتع به من حضور ومصداقية في الأوساط الثقافية، أفراداً ومؤسسات.
إن رحيل مؤسسها الشاعر عبد العزيز سعود البابطين سيجعل مَن بعده أكثر إصرارا على مواصلة مسيرته في الانحياز للحق الإنساني، وخاصة في فلسطين المكلومة المصابة بهذا الاحتلال الذي لا يعرف للإنسانية معنى.
رحم الله الشاعر عبد العزيز البابطين، رحمة واسعة، ورفع درجته في عليين، ولا شيء أفضل من أن نرثي الشاعر ونعزي أنفسنا والأسرة الثقافية بأبيات من شعره، تؤكد قيمة العطاء، وأنه لا شيء يعدل أن تبذل ما تستطيع من أجل أن تنال عمرا أطول فوق عمرك القصير، ولدلالة هذه الأبيات الخالدة على شاعر بذل حياته كلها من أجل القيم الإنسانية الخالدة فقد نقشت في جامعة أكسفورد:
خلّد سجلّك فالبقاء قليل
  إن الزمان بعمره لطويل
  
واسكب عطاءك للجميع فإنه
  يبقي العطاء وغيره سيزول
  
واعلم بأن المرء يفقد قَدْره
  إن عاش بين الناس وهو بخيل
  
لم يكن رحمه الله بخيلاً، فلا جواد كمن أعطى حياته وسخرها للآخرين، كما فعل الراحل الكبير الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، فجزاه الله خيرا عما قدم، وأحسن العزاء لذويه ولمريديه ومحبيه وللكويت حكومة وشعباً ومؤسسات ثقافية، وللعالم أجمع الذي فقده إنساناً، قبل أن يفتقده أيضاً شاعراً إنسانياً كبيراً.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

كردستان يوسف

عبرت…
لا الشوارع
بل ارتجاف المعنى
عبرت إلى برودة الغربة
وشالي الأزرق
يلوح بأنفاس متعبة
كراية نجت من حرب

آن الخريف
فماذا عسى الخريف أن يمنحنا؟
تطايرت سنواتنا
قبل أن نتقن
فن الانهيار

ناداني صوت طفولتي
عودي…
فكيف أعود؟
والشمس في بلادي خجولة
تختبئ خلف سحب القيود
وافتقد من يرسم لأنوثتي ظلاً
افتقد كتفاً يسند تعبي

الريح تمسح آثار قدمي
كأنها تخشى
أن تنبت خطواتي أزاهيراً…

وشمُ الليل، ليشكل إضافةً نوعيةً إلى المشهد الشعري المعاصر، ويعلن عن ولادة صوتٍ أدبي شاب يحمل في تجربته عمق الألم الإنساني وصدق التعبير عن الذاكرة والغياب.

في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات وتتشابه الأصوات، يأتي هذا الديوان ليقدم تجربةً شعريةً مختلفة، عميقة، ومشبعة بحس وجودي واضح؛ حيث لا تكتب القصيدة بوصفها ترفاً لغوياً، بل باعتبارها ضرورةً داخلية،…

ا. د. قاسم المندلاوي

تعد محافظة الحسكة إحدى المحافظات ذات الغالبية الكوردية، وقد تعرضت عبر عقود طويلة لمحاولات ممنهجة لتغيير طابعها الديموغرافي والثقافي، من خلال تعريب بعض المناطق وتغيير أسماء عدد من مدنها وقراها، الامر الذي انعكس على هويتها التاريخية والثقافية.

شهدت المحافظة خلال الاعوام 2015 – 2016 مرحلة مفصلية في تاريخها، بعد تحرير…

إدريس سالم

 

يجيب «سوار» على «پيتر» في إحدى أسئلته: «لقد كتبت قصة وعبثت بإحدى شخصياتها دون سبب مقنع». (ص 187).

تتمحور هذه القراءة حول لحظة «الانكشاف الوجودي» في الصفحة (187)؛ حيث يغدو «سوار شيخو» كائناً يدرك وقوعه في «فخ التأليف». فالعبث الذي يمارسه الروائي بحياة بطله وأفكاره كان أكبر من أن يكون ترفاً فنياً؛ هو في الحقيقة…