الكرسي « مجرد نص »

إبراهيم محمود

خاطبني الكرسيُّ تعال
ادنُ مني
سأجعل مجهولك معلوماً
نجماً لا يأفل
طريقاً معبَّداً بالوعود المحققة
سيأتي إليك الآخرون من كل فج عميق
لا أحد يستطيع مقاربة ظلك
لا أحد يستطيع التشويش على صوتك
ستصفق الأيدي لك قبل أن تقول كلمتك المناسباتية
أثناءها وبَعدها
ستُنشَر صورك في واجهة المنابر الرسمية وخلافها
ستكون مرجعاً لمن يهمه الأمر
ستكون لاسمك بصمة تاريخ 
سيأتي إليك من لم تسمع باسمهم بعد
من لم تلتق بهم بعد أبداً
وكلهم تواضع وتوسل ورغبة في أن يلتقطوا صوراً لك
ألبومات الصور التذكارية الخاصة بك لن تحصى هنا
من جهات شتى
أن تقول لهم كلمة
ويا له من فوز عظيم
إذا جاوبت على أسئلة لهم
ويا له من فوز أكبر لهم
إذا وافقت على إجراء حوار معك
قلت قف حيث أنت
دعني وشأني
لم تكن يوماً شاغل نفسي أو قلمي يا كرسي
كنتَ وما زلت وستظل مجهولي حيث أعرفه
ما بقيتَ حياً
ومعلومي حيث يُعرَف بي
مخطئ في حسابك يا كرسي
مخطىء في تعريفك بنفسك يا كرسي
مخطئ في معلوماتك عني يا كرسي
مخطئ في تصورك عني يا كرسي
مخطئ في توقعك عما يمكنني فعله
ما أبعدني عنك يا كرسي
ما أبعدك عني كرسي
وخاطبني الكرسيُّ من على مسافة
مهلاً، اصغ إلي قليلاً
أنا من يخرجك من ظلمات الاسم المجهول أو المحدود الانتشار
إلى نور المعلوم الواسع الانتشار
نعيمك حيث تُرى من خلالي
جحيمك حيث تُرى بعيداً عني
سيكون لك رصيد في الشهرة
يتجاوز فيها حدود حيك
بلدتك
مدينتك الكبيرة
لغتك التي تعرَف بها
سيُحسَب لك حساب لم تحلم به من قبل
كل كلمة تتفوه بها ستكون خميرة كتابات وكتابات
صورك سيتفنن المعنيون بالصور
لكي ينالوا رضاك
سيشار إليك بالبنان
سيكون لك خدك وحشم
حرّاس مدرّبون
سيارة بزجاج ” فيميه “
لتكون رؤيتك حسرة لمن يحيطون بك
سيكون نزولك من السيارة كرنفالياً
ستُفتَح لك الأبواب أوتوماتيكياً
أو بأيد مخصصة لهذا الغرض
أما عن الضيافة وكرم المشروب والمطعوم فلا تسأل
الحياة ما بعدي غيرها ما قبْلي
و..
قف.. قف.. يا كرسي
من أعلمك أنني مناشدك
من وزّ في ” أذنك ” أنني راغب فيك
من دفع بك لتسمعني ما ليس لي فيه رغبة
كن حيث أنت 
وليكن الراغبون فيك
الساعون إليك
المتهافتون عليك
ومتهافتو المتهافتين عليك
حيث هم
لي كرسي الخاص الذي لا ينافسني فيه وعليه أحد
كرسي الذي يتشكل كما هي حياتي قراءة وكتابة
كرسي الذي يتحرك معي في طريقي الذي يغاير كل الطرق الموصولة بك 
كرسي الذي لا أحد يستطيع سرقته، أو خلعه
أو نزعه مني
أو العبث به
كرسيّ الذي يعرَف بي وليس العكس
كرسي الذي يتنفس رائحة صوتي وكتابتي
كرسي الذي يستمر دون أن يتعرض له أحد
وفي حال الاعتراض لن يُمَس بسوء
كرسي يحمل بصمة روحي
مصنوع من دمي المتدفق من قلبي
متشكل على صورة تخصني وتشير إلي
كرسي الذي لا تأثير للزمن فيه
ربما يزداد نصاعة، لفت نظر مع الزمن
مضاء في الليل والنهار
محاط بالورود والزهور ومحبة العالم أجمع
مثبت في أرض لا تبعث على البغضاء والمكائد
كرسي له أكثر من لغة
وله صداقات مع صداقات كثيرة من كراس في الجهات الأربعاء 
لست كرسيّ الذي سخرت له عمري
وكافأني بما أستحق
أراك يا كرسي وأنت مغروس في تربة هشة
سبخية
لكم أنتَ ساخن ومشتبه في أمرك
ثمة ما يفور عليك
فيك
 وأسفلك
هوذا الأحمر الذي يشد إليه الأحياء
ويطرحهم أشباه موتى
أو دون وعي
أو دون أثر يُذكر
كم خدعت من يرى صورته في مرآتك
من يرى ظله عالياً قريباً منك
من يراهن على صورتك
من يستجيب لصوتك دون مراجعة لحقيقتك
من يلمسك لقبه الطيب
من يسمّيك محمياً وهو الضعيف الأثر
من يحتمي بك وهو عار وإن ثقل عليه لباسه
من يحرك قلمه في ظله ليكبر بك وهو صغير صغير في روحه
من يرى صوته أعلى بجوارك وهو بالكاد يُسمَعك
من يلتقط صورته بالقرب منك 
ويريد أن يُعرَف بك
من ينتسب إليه لأنه معدوم النسب مقاماً
ولا أقل من الاستثناءات التي تتفهمك وتعرف حقيقة وزنك
طبيعتك
تاريخك المعقد
ألأعيب تسمّيك
من… من…
مخيف أنت يا كرسي
ومنفّر أنت يا كرسي
ليس فيك خصلة تحفّز في قلمي لتسطير ولو كلمة واحدة
كم رأساً أطيح به وهو في أوج مجده
وأنت ساكت
كم قلباً طُعن فيه
واصطبغت بدمائه
وأنت لا تعبأ بما يجري
كم جسداً تم ركْله وهو أعلاك
إلى أسفله
وأنت كما لو أنك لست أنت
ليقتعدك آخر وآخر وآخر
ملؤك تاريخ رهيب من الميتات والصرخات والدسائس
محيطك ملغوم الحياة صفرية فيه
فضاؤك يبعث على التشاؤم
مجرد النظر إليك يوتّر القلب
مجرد التذكير بك يسمّم البدن
أنت يا كرسي جلاب للفضائح والميتات
أنت يا كرسي كما هي معرفتي بك
سجل فائض بالمآسي عذابات المخدوعين بك
فابق حيث أنت
وهأنذا مرفَق بكرسيّ الذي يعدُني بحياة أجمل فأجمل فأجمل
عنواني حيث أكون
التوقيع حيث أنا

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

الشَّاعِرُ عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسَكِي

أَحْبَتُكَ كَأَنِّي مُرَاهِقٌ
أَبْحَثُ فِي كُلِّ الْمَنَاطِقِ
فِي كُلِّ مُنْعَطَفٍ أَتَأَمَّلُ
لَعَلِّي أَجِدُ طَيْفَكَ الْعَاشِقَ
****
صَمْتُكَ يُلْهِبُ الْجِرَاحَ
تَنْثُرُ كَأْسَ الْأَفْرَاحِ
اللَّيْلُ غَدَا بِلَا قَمَرٍ
شهْدُ الشَّوْقِ فَوَاحٌ
***
مِنْكَ يَعُودُ اتِّزَانِي
أَنْثُرُ حُرُوفَ أَحْزَاني
نَعَمْ أُحِبُّكَ وَلَا عَجَبَ
الْقَلْبُ مَكَانُكَ لَا مَكَانِي
***
أَنَا رَشَفْتُ مِنْ الْهَوَى
كَأْسَ شَفَتَيْكَ أَحْلَى
أحْيَا فِيهِمَا أَتَجَلَّى
أَنَا السَّماءُ وَأَنْتَ السَّرى
***
أَهْرُبُ مِنْكَ دُونَ تَلَاقٍ
أَحْفَظُ قَلْبِي بَيْنَ الْعُشَّاقِ
كَأَنَّكَ مَيْسُورٌ بَيْنَ النَّاسِ
تَرْمِي الْقُلُوبَ بِنَارِ…

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ ( وُلدت 1945 ) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية،أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة.لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع ، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة ” ،…

أ. د. قاسم المندلاوي

اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء…