حمار ابن حمار

إبراهيم محمود

استغربتُ من تصرف أقرب شخص إلي في جواري الجغرافي، حين علِمتُ أنه قد اختار له اسماً جديداً، وثبَّته في السجل المدني ” دائرة نفوس البلدة “، وكوني حريصاً عليه، ومن باب الصداقة المتينة بيننا، اتصلت به، طالباً الجلوس معه، والاستفسار عما يجري.
كان في غاية الهدوء. أكثر من ذلك، لم أعهده في هدوء كالذي رأيته فيه، وهو ما زاد في استغرابي وتعجبي، فبادرته بالسؤال سريعاً، ربما، قبل مصافحته، أو لا أدري هل صافحته أم لا، لأن الذي تحققت منه، لم يكن عادياً، ويهمني أمره إلى أبعد الحدود. مثلاً، كيف ستكون صداقتنا بعد هذا التحول المغاير؟ يعني باختصار: كيف سأكون صديق حمار ابن حمار ؟
لكنني حاولت تمالك نفسي، وأنا أنتظر منه توضيحاً سريعاً لِمَا آل إليه أمره.
فابتسم، وأطال في ابتسامته، وهو يضع عينيه في عيني، ثم قال بلغة السؤال:
أمستغرب أنت مما تراه في مسلكي؟
قبل أن أجيبه، رد في الحال وبهدوء:
اسمعني جيداً يا صديقي..
ثم قبل المتابعة:
لعلك ستعترض على هذه المخاطبة، وأنا باسمي الجديد هذا؟ ! لا يهم، الخيار لك. ولن تجد أي رد فعلي سلبي من طرفي إزاءك، بعد ما الذي أقدمتُ عليه بمحض حرّيتي وإرادتي، أي وقد أصبحت : حمار ابن حمار .. أليس كذلك؟
وأردف:
كُن على بيّنة أنني كغيري فكرتُ كثيراً في خطوة عشت مناخها طويلاً، سوى أنني ، وبعد تقليب المسألة على وجوهها، أدركت أن الذي سأقدِم عليه، سيريحني كثيراً، وهذا ما تم.
اضطررت إلى طرح سؤالي عليه:
ألم تجد غير الحمار، والمركَّب: ابن حمار، يعني: حمار ابن حمار؟
علَّق سريعاً:
وسّع مساحة  تفكيرك لتأخذ علماً صحيحاً بحقيقة ما قمتُ به وصوابه. ولا بد أنك تساءلت كثيراً عن الذي عرِفت به، وسمعتً  أنت به. سأختصر في كلامي، لأكون في مستوى ما اخترته لنفسي، يا… أأقول يا صديقي؟ لك أن ترفض إذا أردت، فاالذي يتكلم معك حمار وابن حمار، وهو ليس عادياً. بالعكس، يشعر أنه بحاجة إلى وقت كاف ليصبح في مقام الحمار الفعلي، أي لا بد من وجود حمارين يشهدان على أنني أستحق أن أكون حماراً، ويقبل بي جنس الحمير.
بالمناسبة، ربما ستضحك، إذا أخبرتك أنني حين عرضت طلبي على السجل المدني، استغرب الجميع، ثم استغرقوا في الضحك وبشكل هستيري، وقال رئيس السجل أنها المرة الأولى التي يسمع فيها أحدهم يقدِم على فعل كهذا، وهذا طريف وغريب.. وقد تناقشنا كثيراً، حيث حاول أحدهم الاعتراض، لأن في ذلك إهانة للإنسان الذي يعنيه أمره، غير أنني ألحّيت على طلبي بدعوى أن الموضوع يخصني، ولأنني أعترف بحماريتي وحمارية نسَبي كذلك .
وجرى تثبيت ذلك، رغم الاحتجاج الكبير من أفراد عائلتي وأهلي والإهانة التي أحسّوا بها. لكنني أوضحت لهم بدورهم، أن كل ذلك كان متوقعاً، ومن يريد أن يتبرأ مني فهو حر..
أما عن إقدامي على هذا الفعل فسهل جداً، وهو التالي :
لم أشعر يوماً أنني أدبُّ على اثنتين، أن أسفلي قدماي، وأعلاي هامة رأسي،  إنما كنت أشعرني أدبُّ على أربع ورأسي يتقدمني وثمة أذنان صغيرتان تعلوانه.
ناسبتني هيئة الحمار كثيراً، بعد معاناة نفسية طويلة. الحمار وهو بصبره وقدرته على التحمل، واستمراره في الحياة وهو حمار على قدْر ما يستطيع غير عابئ بما يجري كثيراً حوله. إنه يعيش حياته على طريقته، وحين يتوجع تحت وطأة أثقال وإساءات وشتائم، يسير وكأنه لا يسمع شيئاً. اعتبرت ذلك الحل السحري لمشكلتي. أن أكون حماراً بالاسم الذي ثبّتّه، وهنا، لا يعود لدي ذلك الشعور بأنني أُهان، وقد تحقق ما أردته لنفسي. يعني، أن تصبح حماراً، ليس كاالذي يخاطبك بـ: حمار.. وما أكثر حمير هذه البلدة، طبعاً بالطريقة التي يفهمون بها عالم الحمير، وطباع الحمير، وحتى مزايا الحمير المعتبَرة، إذ لو أنهم أقدموا على ما أقدمت عليه، والسبب واضح لا بل ومعقول تماماً، لما رأيتَ إلا من يعدّون على الأصابع، الذي يزعمون أنهم بشر.
نعم، حتى والدي جعلتُه في مقامي: حماراً، ولا بد أنه كان هكذا، وأنا على يقين أنه الآن يرتاح في قبره، ولم يكن في مقدوري مخاطبته لأسمعه صوتي، بأنني أرحته وحرّرته من وجع كبير لازمه في حياته.
وهأنذا قد أسمعتك بما جرى، سمّني حماراً على وجه العموم، أو حماراً كردياً، أو خلافه، ولكنه في الحالات كافة أنا هو نفسه.. ولأعْلمك أن السكينة التي أعيشها في نفسي، لم أعشها أبداً،  أعمل، أتحرك، أسمع تعليقات، أنام، أصحو، أتكلف بأعمال مرهقة، أتنشط كما أقدر، والأهم أن الذي أعيش في وسطهم، حين يظهِرون ضيقاً وسخطاً، سرعان ما يعلّقون: حمار، كيف تتعامل معه؟ وهو نفسه اختار أن يكون حماراً، لندعه وشأنه.. فأتكلم كما أريد، دون أن أفكر في النتيجة، كما كان الوضع سابقاً، وأثير ضحك من يسمعون باسمي، ويغضون عن أمور كثيرة، استجدت في المرحلة التي شهدت ولادتي بالاسم هذا: حمار ابن حمار.. هل من نصر غير مسبوق كهذا؟
الأمر الآخر: لا بأس أنه إذا انتهى رصيدي من الحياة، أي متُّ، فلا يقولون : مات فلان، إنما نفق حمار ابن حمار، فلا تجري مراسيم عزاء، هل رأيت من يقيم حِدَاداً على حمار؟ ولا أُدْفن في مقبرتهم، إنما يُطرَح جسمي الحماري بعيداً، وهو أفضل لي، لأن في ذلك تسهيلاً لروحي خارج القبر، وهي تتنشط، وبخفة أكثر في جهات البلدة وفي سمائها، وأهنّىء نفسي بهذا الإنجاز ! 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…