عِصْمَتْ شَاهِينِ الدُّوسَكِي
طَرِيقٌ إِلَيْهَا طَوِيلٌ
سُهُولٌ وَتِلَالٌ وَدَلِيلٌ
كَأَنَّ الْبِدَايَةَ بَدَأَتْ
وَالْحَرُّ مِنْ نَافِذَةٍ يُطِيلُ
كَيْفَ كَانَ الْمُشَاةُ
فِي شِعَابِ اللَّيْلِ
بِأَقْدَامٍ وَكَاهِلٍ مُحَمَّلٍ
بِمَاءٍ وَزَادٍ…
جليل إبراهيم المندلاوي
شَاءَتْ وَيا لَيْتَها تَشَاءُ ليْ صَبْراً
إذ أعرَضَتْ دونَ أَنْ تُبْديْ لَنا عُذْراً
وما أَظُنُّ الهَوى يَقْضي لَها مَضْجِعاً
حَتَّى ظَنَنْتُ بأَنَّ قَلْبَها صَخْراً
تَمْشي بفخرٍ وكأنَّ الأرْضَ طَوْعُ يَدٍ
والكَونُ خَلْفَ خُطاها يَنْشُدُ النَّصْرا
نامَتْ إذا جَنَّ لَيْلُ العِشْقِ في رَغَدٍ
بلا اهْتِمامٍ لِمَنْ يَعْشَقُها سِرّاً
أُقَلِّبُ الطَّرْفَ في الآفاقِ مُنْتَظِراً
طَيْفاً يَلُوحُ، ولكنْ لا أَرى بَدْرَا
يا لَيْلُ طُلْ أوْ فَغِبْ،…
شيرين إسماعيل
تلك الجديلة
لم تكن خيط شعر طويل،
كانت طريقاً من طفولة تركض في القرى،
إلى امرأة وقفت
بين الموت والحياة
وقالت: «هنا أقف».
كانت أمّها تسرّحها كلّ صباح،
تُقسمها نصفين
وتقول:
«الشَّعر الطويل يا ابنتي
هو صبر النساء».
فكبر الصبر معها،
حتى صار بندقية.
في الجبل
حين ضاق العالم على صدرها
كانت الجديلة تتدلّى خلفها
كراية سوداء من الليل،
وكأنها تقول:
«لا تخافي،
أنا تاريخك المربوط في ظهرك».
كانت تركض
والريح تمشطها،
وكانت تضحك
والموت قريب كظلّ…
عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي
أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
سَلْ مَا بَدَا…
جليل إبراهيم المندلاوي
نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ
يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
تعب ارتحالي…
ماهين شيخاني
ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…
بهزاد عجمو
يا صقر الجبال
لقد علّمتنا دروب النضال
و حبّك للوطن كان مثل الشلال
و تاريخك كان من نار
و سيفك شاهر دوماً في وجه العدوّ الغدّار
* * *
يا صقراً كنت تطير دوماً في أعالي السماء
وكان ينزف من جراحك الدماء الحمراء
يا صقراً أذقت العدوَّ شر البلاء
يا صقراً كان يهابك كل الأعداء
يا دويّ المدافع في البيداء
يا حنين الشوق و اللقاء
و…
إبراهيم محمود
لا بحر في الأفق
لا بحرَ لا بحر
كيف يمكن التفكير في سفينة؟
هي ذي صحارى تتقاسم الماء
كيف يعدُّ ركابٌ في جمعهم الغفير، أنفسهم لسباحة في غبار دوّاماتي
ومن سراب جالب نحس
قراصنة.. مهربون.. غشاشو أمكنة
معتمدون من أعلى سلطة في البلاد
كيف لقصيدة أن يمضي عليها خيال بعمق مضمون؟
باسم من لا اسم
من لا وجه له على وجه الدقة
في جموع تقودها…
ماهين شيخاني.
أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…
جليل إبراهيم المندلاوي
عَليلُ الوَجدِ قَلبٌ أحمقٌ مُرتابْ
تَمَهَّلْ ما بهذا الوَجدِ عَيشٌ طابْ
فَخَلفَ الوَجدِ بابٌ مُبهَمُ المَغزى
بَهيُّ الشَّكلِ فَخمٌ فاتِنٌ جَذّابْ
يَظُنُّ المُبتَلى سِحراً به يُشفى
ولكنْ ما وَراءَ السِّحرِ سِرٌّ غابْ
أتَعلَمُ ما الذي يَحويهِ هذا السِّرْ
أتَدري ما الذي يَخفى وَراءَ البابْ
فَخَلفَ البابِ مَكرٌ فِتنَةٌ شَكوى
بَلاءٌ حَيثُ لا خِلٌّ ولا أصحابْ
فَكَم مِن تائِهٍ في الحُبِّ يُستَغبى
يَظُنُّ الغَيَّ رُشداً…