حين تنحني الكلمات لروحٍ لا تنحني

بوتان زيباري

في وداع القلم الذي لم ينكسر، والفكر الذي لم ينحني، والروح التي بقيت عصيّة على الانطفاء، ننعى برحيل الشاعرة والقاصة الكوردية ديا جوان، زينب أوصمان شوزي، التي أغمضت عينيها الأخيرة في السادس والعشرين من فبراير عام 2025، في مدينة دهوك بإقليم كوردستان، عن عمر ناهز اثنين وسبعين عاماً، بعد صراع مرير مع المرض، وكأنها أرادت أن تجعل حتى مرضها جزءًا من قصيدة مقاومة، تتحدى الانكسار حتى الرمق الأخير.

لقد وُلدت ديا جوان في عام 1952 ونشأت في حضن أسرة وطنية مثقفة، فكان قدرها أن تحمل القلم سيفًا في معركة الهوية، وأن تجعل الكلمة ترسًا في وجه العواصف. تزوجت عام 1966 من الفنان الراحل سعيد ملا أحمد شوزي، ولم يكن بيتها مجرّد جدران تحوي أشياء، بل كان قلعة للكلمة الحرة، ومنارة لكل متعطش للمعرفة والنضال، خصوصًا حينما استقر بها المقام في دمشق عام 1975، حيث تحوّل منزلها في حي الكورد إلى ملتقى للمثقفين والسياسيين، يحلمون ويخطّطون ويكتبون.

بدأت ديا جوان مسيرتها الأدبية عام 1977، فلم تكن مجرد شاعرة تكتب على أوراق، بل كانت روحًا تنسج كلماتها من معاناة شعبها وأحلامه. نشرت أعمالها باللغة الكوردية، وترجمت نصوصها إلى العربية، فكانت همزة الوصل بين اللغتين، بين حضارتين، بين الماضي والمستقبل. تناثرت كلماتها كزهر مقاوم بين صفحات الصحف الكوردية والعربية، ووصلت صداها حتى الصحافة التركية والروسية والأوروبية، وكأنها تُعلن أن الكلمة الحرة لا تعرف حدوداً ولا قيوداً.

لم تكن ديا جوان مجرد شاعرة تكتب على هامش الحياة، بل كانت عضوًا فاعلًا في قضايا المرأة والمجتمع، ناشطة في لجنة دعم قضايا المرأة السورية، وعضوًا في مهرجان الشعر الكوردي في سوريا، وفي لجنة جائزة الأديب عثمان صبري، حيث كرّمت من خلالها عام 2004 السيدة دانيال ميتران، تلك المرأة التي نذرت جزءًا من حياتها لقضية الكورد. كان تكريمها في حد ذاته موقفًا، وكأنها تقول إن الاعتراف بالفضل فضيلة، وإن الوفاء هو جوهر النضال.

وعندما تُكرّم امرأة مثل ديا جوان، فإن التكريم يكون انعكاسًا لما قدّمته. لقد نالت جوائز عدة، من ميداليات ذهبية وشهادات تقدير من وزارة الثقافة في إقليم كوردستان، وجائزة الأديب الملا الجزيري، وجائزة مهرجان المبدعات الدولي، ومئوية البارزاني الخالد، وتكريمًا من جامعة دهوك. لم تكن الجوائز بالنسبة لها مجرد أوسمة، بل كانت إشارات تقدير لنضالها في عالم الكلمة، لأن الشعر عندها لم يكن ترفًا، بل مسؤولية.

أما أعمالها الأدبية، فهي شواهد حية على مسيرة نضالية قلّ نظيرها. عشرة مؤلفات كوردية حملت بين صفحاتها روح أمة ووجع شعب، بدءًا من “Pêlek Ji Deryayê Kovanên min” إلى “Kenê Reş”، ومن “بازبند” إلى “بندر”، ومن “أقوال كوردية مأثورة” إلى “حكايات شعبية كوردية”، كل كلمة كتبتها كانت شاهدًا على عصرها، وكانت حروفها كأنها نُحتت في صخور التاريخ.

وحين نتحدث عن رحيلها، فإننا لا نتحدث عن موت عادي، بل عن غياب نجم، وسكون قيثارة كانت تغني للأمل حتى في أحلك اللحظات. فقد عاشت سنوات طويلة في دمشق، لكنها لم تكن غريبة على أرض كوردستان، زارتها مرارًا، وافتتحت فيها مطبعة خبات عام 1996، ومعرض شهداء الأنفال عام 2004، ومركز الشهيدة ليلى قاسم عام 2006، وكأنها كانت تحاول أن توصل بين الكلمة والفعل، بين الحبر والدم.

اليوم، إذ نودّع ديا جوان، لا نقول إنها رحلت، بل نقول إنها تحوّلت إلى جزء من ذاكرة أمة، من وجدان قضية، من صوت لن ينطفئ. فقد كانت قصيدتها الأخيرة في حياتها هي حياتها ذاتها، حيث كتبتها بحبر الصبر، ونسجتها بخيوط النضال، ووقّعتها بدمع العاشق لأرضه، الذي يعرف أن الحياة لا تقاس بعدد السنوات، بل بما يُترك خلفه من أثر.

نعزي أنفسنا برحيلها، ونعزي عائلتها وأصدقاءها، ونعزي كل من حمل الكلمة يومًا سلاحًا، لأنها وإن غابت عن العيون، فإنها باقية في القلوب، وفي كل حرف خطّته يدها، وكل قصيدة نبضت بروحها. وكما كانت تكتب عن العشق، عن الحرية، عن الوطن، فإنها اليوم تترك لنا رسالة مفادها: أنتم من سيكمل القصيدة.

السويد
26.02.2025

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…