جانيار… المسيرة والانتشار

جان بابير

 

الفنان جانيار، هو موسيقي ومغني كُردي، جمع بين موهبتين إبداعيتين منذ طفولته، حيث كان شغفه بالموسيقى يتعايش مع حبّه للفن التشكيلي. بدأ حياته الفنية في مجال الرسم والنحت، حيث تخرج من قسم الرسم والنحت، إلا أن جذوره الموسيقية بقيت حاضرة بقوة في وجدانه. هذا الانجذاب نحو الموسيقا قاده في النهاية إلى طريق مختلف، إذ وجد هدفه النهائي في الألحان والغناء، ليصبح أحد الأسماء البارزة في عالم الموسيقى.

 

البدايات والمسيرة الفنية:

في عام 2001، أطلق جانيار ألبومه الأول، الذي ضم عشر أغانٍ من ألحانه الخاصة. تعاون في هذا الألبوم مع شعراء معروفين، مثل جان بايير، محمد بوزان، وعلي شيخو، بالإضافة إلى كلمات كتبها بنفسه. كان الألبوم محطة تحول في حياته الفنية، حيث حظي بإقبال جماهيري واسع. لكنه لم يكن مجرد ألبوم، بل كان بداية قصة نجاح، لا سيما بعد أدائه الحي في عيد نوروز، حيث شكل هذا الحفل لحظة فارقة في مسيرته، إذ ساهم في إطلاق شهرته بشكل قوي ومؤثر. ورغم الشهرة التي حققها، ظل جانيار متواضعاً، يعمل بصمت، وكأنه يقول في أعماقه: “ما زلت في بداية الطريق، يجب أن أواصل العمل بجد”.

 

الانتشار العالمي:

لم تكن مسيرة جانيار مقتصرة على جمهوره المحلي، فقد عبرت أعماله الحدود وانتشرت في العديد من الدول. كان له حضور في حفلات موسيقية في روسيا، الجزائر، العراق، تركيا، بالإضافة إلى معظم دول أوروبا. هذا الانتشار الدولي لم يعزز فقط شهرته بين أبناء جلدته من الكُرد، بل جعله يتواصل مع جمهور من مختلف الثقافات واللغات، مما جعله شخصية معروفة في العالم العربي والمجتمع الأوروبي والعالمي. لقد كان هذا الانتشار جزءا من إستراتيجيته لتعريف العالم بأصالة الفن الكُردي والموسيقا التقليدية، محاولا أن يكون جسراً بين ثقافات متعددة.

 

الإنتاج الفني والأغاني:

على مدار مسيرته، ألف جانيار أكثر من 200 أغنية، وجميعها كانت من ألحانه. معظم هذه الأغاني كانت تحمل بصمته الخاصة، إذ كتب اغلب كلماتها بنفسه. اختار جانيار طريقا صعبا ومتميزا في مجال الفن، فقد ركز على الأغاني الأصيلة التي تمثل نخبة المجتمع، الأغاني التي تحوي عمقا فلسفيا وإنسانيا. لم تكن أغانيه مجرد تسلية، بل كانت دعوة للتأمل والتفكير. وعلى الرغم من صعوبة هذا النهج، نجح في بناء قاعدة جماهيرية وفية، تقدّر الفن الذي يقدمه والقيم الإنسانية التي يدافع عنها.

 

التجديد الفني والتطور:

كان جانيار وفيا للأغاني الأصيلة التقليدية، لكنه لم يكن متحجرا أمام تطورات العصر. بل قام بتحديث أغانيه بحيث تتماشى مع الأذواق الحديثة، محاولا دمج الأصالة بالتجديد. تنوعت مواضيع أغانيه بين الحب، والوطن، والإنسان، مع تركيز على تقديم رسائل إنسانية وفكرية تحمل مضمونا عميقا. كان يمزج بين الأساليب التقليدية والمعاصرة، مما جعل موسيقاه قادرة على الوصول إلى جمهور مختلف الأعمار والخلفيات، سواء في وطنه أو خارجه.

 

أثره الفني والإنساني:

كانت الموسيقى بالنسبة لجانيار أكثر من مجرد مهنة أو هواية، فقد كانت وسيلته للتعبير عن قضايا إنسانية وفكرية. كان يسعى من خلال فنه إلى نقل الهموم الفلسفية والإنسانية، وتحويلها إلى لغة موسيقية تؤثر في القلوب. من خلال مزج الشعر بالموسيقى، استطاع أن يعبر عن تجربته الإنسانية بكل صدق وشفافية، مسلطًا الضوء على قضايا الحب والمعاناة والشوق إلى الحرية والوطن. لقد كان يحمل رسالة في كل أغنية، ويطرح تساؤلات حول معنى الحب، ومعنى الوطن، ومعنى الحياة، مما جعل فنه يتجاوز حدود الموسيقا الترفيهية التقليدية.

 

التقدير والاعتراف:

خلال مسيرته، نال جانيار تقديراً واسعاً من قبل الجمهور والنقاد على حد سواء. كانت حفلاته تشهد إقبالاً كبيرا، لا سيما بين الشباب الذين وجدوا في أغانيه صوتا يعبر عن آمالهم وتطلعاتهم. لقد تم تكريمه في العديد من المناسبات الفنية، وحظي بإشادة واسعة على الجهود التي بذلها في إحياء الأغاني الكردية الأصيلة ونقلها إلى الساحة العالمية. ورغم هذا الاعتراف الكبير، بقي جانيار ملتزماً بمبادئه الفنية، رافضاً أن ينجر وراء الشهرة الفارغة أو الأعمال التجارية السطحية.

 

يعد جانيار مثالاً للفنان الذي اختار الطريق الأصعب، متمسكا بقيمه الفنية والإنسانية، رافضا الانصياع لموجات الموسيقى السائدة التي قد تكون أكثر شيوعا وسهولة. استطاع بفضل أصالته وإبداعه أن يترك بصمة دائمة في عالم الموسيقى، ليصبح صوته رمزا للقيم الإنسانية والحب. كانت رحلته من عالم الفن التشكيلي إلى الموسيقى رحلة بحث مستمرة عن الطريقة الأمثل للتعبير عن الذات، وعن الأفكار التي تؤرقه، ومع مرور الزمن، أصبحت أغانيه نافذة تعبر عن روح الإنسان وآماله وآلامه، مما جعله ليس مجرد مغنٍ أو ملحن، بل فنانا يحمل رسالة ورؤية تتجاوز حدود الفن التقليدي.

 

الإرث الفني:

اليوم، تُعد أغاني جانيار جزءا من التراث الموسيقي الكُردي والعربي، على كيفية تحويل الأغاني إلى أدوات للتغيير الاجتماعي والفكري. وقد ألهمت أعماله الكثير من الفنانين الشباب الذين يسعون لتقديم الفن الأصيل، وأصبحت موسيقاه تجسيداً للتحدي والإبداع، مما يجعله مثالاً يحتذى به في الأصالة والتجديد الفني.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…