ابراهيم البليهي
من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز ما أنجزه بالشغف العميق والاهتمام التلقائي القوي المستغرق ……
أما الملايين الذين يواصلون التعلُّم كرهًا فينشأ نفور شديد بينهم وبين كل ما يرمز إلى المعرفة نفور يلازمهم طول حياتهم فقد تزور أستاذا جامعيا في بيته فتجد أن بيته لا يختلف عن بيوت غير المتعلمين فلا مكتبة خاصة ولا متابعة لما يجري نشره في مختلف فروع المعرفة والفن والأدب وهذه القطيعة مع المعارف المتجددة تمثل حالة معرفية بائسة مهما تحصنت بالألقاب الأكاديمية …..
فرقٌ نوعيٌّ بين القلة من الأفراد الذين يندفعون إلى المعرفة برغبةٍ عارمة وشوقٍ متجدد ولهفةٍ لا ترتوي مقابل الملايين الذين يذهبون إلى التعلُّم كارهين ويظلون طول المراحل التعليمية يعانون مكابدة تَجَرُّع مواد اضطروا لحفظها ……
إنني بهذه المقالات القصيرة ألتقط شواهد مضيئة ناطقة وذات دلالات عميقة من تاريخ العلم من أجل الاسهام بالايقاظ بأن العلم والمعرفة الموضوعية والفنون الرفيعة كلها ذات قيمة عليا فهي لا تُطلب كوسيلة للشهادة والوظيفة والوجاهة فهي لا تنقاد وتستجيب إلا للذين يندفعون إليها عن اقتناع بقيمتها الذاتية فهذه القيم أعظم من أن تكون مجرد وسيلة ……
إن من هؤلاء الرواد المندفعين للاكتشاف والتحقق العصامي الانجليزي العظيم جيمس جول كان أبوه صاحب معمل للجعة لكنه ترك العمل في المعمل وراح يُجْري التجارب …..
إن جيمس جول هو أحد رواد العلم فأسس القانون الفيزيائي الذي ما يزال بحمل اسمه (قانون جول) كما أنه قد توصل إلى اكتشاف (مبدأ حفظ الطاقة) الذي ما يزال أحد حقائق الفيزياء . …..
لست بهذه المقالات القصيرة أقدم معلومات بل أقوم بمرافعات ضد من يستهينون بالعلوم والفنون ولا يطلبونها إلا من أجل نتائجها العملية حيث الشهادة مدخل ضروري للوظية كما أنها تمنح الوجاهة …..
إن العلوم والفنون يتحقق بها التقدم الذي تسعى إليه الأمم لكنها هي ذاتها مطلب عظيم تستحق أن لا نجعلها مجرد وسيلة فهذا امتهان لأعظم القيم ……..
يقول العالم الشهير علي مشرفة:
((إن ما قام به العالم العصامي جيمس جول من التجارب: فتحت باباً جديدًا للمشتغلين بالعلوم الطبيعية فقد أثبت هذا العالم أن مقدار الحرارة التي تتولد من احتكاك الأجسام تتناسب مع مقدار الطاقة الميكانيكية التي تبذل في هذا الاحتكاك أي أن الطاقة الميكانيكية تتحول إلى طاقة حرارية كما بين أن الحرارة التي تتولد في سلك رفيع بمرور تيار كهربائي فيه ترتبط ومقدار الطاقة الكهربائية التي تبذل ومعنى ذلك أن الحرارة التي تشعر بها أجسامنا ما هي إلا نوع من الطاقة)) قبل ذلك لم يعرف العلماء هل الحرارة مادة أم طاقة كما لم يعرفوا الفرق بينهما …..
ليس هدفي أن أُعَرِّف بهذا الرائد العلمي العظيم ولا بأن أُفَصِّل عن إنجازاته فهذه مقالات تذكير فقط وليست تعريفا …..
لقد جمعت عنه مادة تكفي لتأليف كتاب كامل عنه أما هدفي هنا من هذه المقالات القصيرة فهو شبيه بالضغط على مفتاح أجراس الإنذار من أجل الايقاظ والحفز فهذا الرجل علَّم نفسه ثم صار يعلم غيره ليس في زمنه فقط وإنما في كل العصور إنه لم يتخرج من أية جامعة لكن كل الجامعات تشيد به وتُعَلِّم طلابها ما توصل إليه بمحض اهتمامه التلقائي القوي المستغرق ………..