طبيعة كردستان تسحر آريان لطيف فيعشقها

غريب ملا زلال 

 

رغم تجربته القصيرة زمنياً وانه مازال فتياً يافعاً، إبن مدينة السليمانية يستطيع أن يحجز لنفسه مساحة تليق به مساحة ليست قليلة.

آريان لطيف ‘لماذا لا نترك هذه الطبيعة في حالها تتكرم علينا وعلى عيوننا وأرواحنا بكل ما بلوره الله؟

رغم التباين الكبير في إنجاز اللوحة لدى الفنانين الكورد في كردستان العراق، أقول رغم التباين فيما بينهم، في رؤيتهم، وفي طريقتهم، وفي تعاملهم مع الفضاء الذي يعومون فيه، إلا أن هناك ما يجمعهم، فطبيعة كردستان تسحر الجميع، ويعشقها الجميع، وتجعل الكل يسكرون من جمالها، ولهذا ليس غريباً أن تجمعهم هذه الطبيعة الخلابة، فأكثرهم إن لم أقل جميعهم له جولات وصولات مع هذه الطبيعة التي تبعث الروح في ساكنيه، فعشرات، بل المئات من الأعمال أنجزت من قبل فنانيها وإذا قمنا بتوزيعها على مؤسسات اقليم كردستان العراق ومرافقها لحولت جميعها إلى متاحف وغاليريات ترسل الجمال في عابريه، ولعل الفنان الذي نحن بصدده في هذه القراءة له نصيبه من ذلك، رغم تجربته القصيرة زمنياً، فهو مازال فتياً، يافعاً، إلا أنه استطاع أن يحجز لنفسه مساحة تليق به، مساحة ليست قليلة ،أقصد هنا آريان لطيف، إبن مدينة السليمانية والمولود فيها عام 1996، تعود بداياته إلى عام 2014 حين خطا خطوته الأولى، الخطوة التي مدت له جسوراً وطيدة مع فضاءات التشكيل وثنايا تحولاتها والتي ستذهب به إلى ما يعزز مكانته، تلك المكانة التي ستجعله يمارس فيها وظيفته الاجتماعية، الإنسانية من منظور فني جمالي تخوله متابعة مهامه ليكون صاحب العطاءات الكثيرة والمهمة في حراكنا التشكيلي بعد أخذه موقعاً ملائماً لإبداع خصيب يستثمره في خلق جديد يتجاوز المألوف، مستوحياً أسئلة بحثه من ذلك المناخ الذي يلامس جوهرية لغته وهي تحفر في الروح أخاديدها، وتستوعب ما عجزت أن تستوعبه نفر كثير من الذين يتعاملون مع وقائع وجودهم الخارجية منها فقط دون الداخلية، يستوحي لغته من توسيع أفقه الحواري بحضور عناصرها المتفاعلة مع مكونات البنية لديه، أو قد يبسط ذلك الأفق ويختزله بروح النهضة المتوثبة فيه بحساسات ورهافات جمالية ملفتة، أو بروح اليقظة التي تجري في خلاياه بتأثيراتها الجمالية وقيمها، فالطاقة التشكيلية التي فيه يحتذى بها، إن في مقدرته الفنية التعبيرية العالية للأشياء، أو في مهاراته الخاصة التي تمنح سرده حيوية مؤثرة تعمق من فهمنا لدلالاته الكثيرة لنستعيد معه تفاصيل مشهده البصري وبزوغه، بإضاءته وبما يعمق من فهمنا لزمنه الذي يمتطيه ولا يكف في إطلاق موجاته بما يلفت الأنظار إليه.

وإذا كان الفنانون التشكيليون الكورد في كردستان العراق يتلاقون في منابع الإلهام وتفجيراتها، أقصد في رسم طبيعتها التي لا مفر منها، لا يمكن لفنان تشكيلي أن يعيش في جنان الرب وجمالها، أن يعيش في سهول كردستان وجبالها إلا ويرتشف منها موضوعاته وينشد الوصول إلى مفاتنها، فيتطلع إلى الكشف بريشه وألوانه عن تجلياتها المتعددة، وبالعموم فلكل فنان نصيبه من طبيعة كردستان، إن كان عبر المعرفة المباشرة وقنص زوايا منها وترجمتها إلى نصوص بصرية تدهش المتلقي قبل صانعيه، أو عبر الكشف المعرفي أو الحدس المعرفي بتعبيراته الكثيرة وصولاً إلى مكامن الإلتقاء التي تفي بغرضه وو تؤدي إلى المطلوب، وهي خطوة تحتاج إلى خطوات عديدة وإن كانت شاقة وصعبة، وخلاصة ما تقدم أنه بالكاد أن تجد فناناً من كردستان العراق لم ينهل من طبيعتها، الطبيعة التي ترفع من منسوب حصوله على السعادة حين يغمس ريشه في ألوانها، وفناننا الذي نقف اليوم بين أعماله منهم وأقصد آري لطيف الذي يتمسك بمصادرها واصطفافه إلى جانبها محايثاً لمكوناتها من دون أن يكون منفصلاً عنها، فهو يهدف من وراء ذلك تبيان أن الإلهام ملكة فطرية على نحو عام، تنمو بالتجربة والممارسة، فكيف إذا كان ملازمة لجمال كردستان وطبيعتها، ولطيف بالأساس يهدف من حركته مع الفضاءات المفتوحة العودة إلى الفطرة وغسل الروح من كل ما علق بها من شوائب ورواسب، ونتيجة للعلاقة الخاصة بينه وبين طبيعة كردستان فهو يتعامل معها بما يتكامل معها، ويما ينفعل كل منهما في الآخر، وليرى كل منهما إجابة الآخر على السؤال الذي يطرح نفسه وتحديداً لجهة الهدف الذي يمضيان إليه، ويخلصان إلى الاعتقاد بأن على الفنان تأدية وظيفة روحية لها علاقة وطيدة مع طبيعة كردستان شكلاً ومضموناً.

إذا نظرنا بعين ثاقبة إلى تشكيلات آريان لطيف وتنوعها عبر الزمان والمكان لا بد أن نتساءل عن المبادئ التي أوجدها، وعن الرؤية التي تربطه بها، والتي ستشكل إشعاعاته المباشرة وغير المباشرة أيضاً، فالعلاقة بينه وبين الفن علاقة تمت صياغتها بأبعادها الهائلة، وبخصائص لها بيئتها الزمانية والمكانية، فعالمه خلق بصفات فريدة أو خاصة على نحو أقرب، وبتجانس روحي تشعرك أنك في عالم آخر، عالم الفن رغم كل التنوع الموجود فيه من حيث المواد والتقنيات وما شابه ذلك، وقد يذعن حيناً حين لا يقدر على تأدية دوره في علاقته مع الوحي، ومع ذلك يمكنه أن يتجاوز ذلك باختزاله للإدراكات الضرورية، أو إيجادها كأثر للتغيرات التي ترافق ريشته وألوانه، نعم يمكنه أن يتجاوز ذلك بما يملكه من طاقة داخلية تنوع تجلياته التي لا يمكن نكرانها، ويتضح لنا ذلك كقارئين غير منحازين، فروح آريان لطيف مشبعة بالمواقف والفضائل، مشبعة بالحب والجمال وبكيفية صنع الأشياء، وهذه كلها تشكل خلفيته وهو يشق طريق الفن.

مما تقدم يزودنا بفيض من الحب بآريان لطيف يلجأ إلى ما يمكن أن يحمل رسالته، والتي تتلخص بأن الرب أنعم علينا بأجمل الجبال، وأعذب الأنهار، وبأرق النسائم، وأطيب الثمار، ما بالنا لا نحافظ على هذه النعمة، لماذا لا نترك هذه الطبيعة في حالها، تتكرم علينا وعلى عيوننا وأرواحنا بكل ما بلوره الالاه لتكون في خدمة أحاسيسنا، لماذا لا نترك الطبيعة على سجيتها، فإذا كنّا غير قادرين على الحرص عليها وحمايتها، فعلى الأقل لا نتحول إلى ما يعبث بها، الطبيعة تدفع ضريبة جمالها على إمتداد التاريخ، والعابث مع الأسف نحن من يطلقون علينا اسم الإنسان. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…