لغتنا الكردية بين الأصالة و التأصيل

ياسر إلياس 

 

هيرودوت وصف عاصمة الميديين و هم أحد فروع أجداد الكرد  إكباتانا (همذان حاليًا)، بأنها مدينة غنية ومبهرة. قال إن إكباتانا كانت محصنة بسبعة أسوار متداخلة، كل واحد منها أعلى من الآخر، ومطلية بألوان مختلفة. كان السور الأخير مغطى بالذهب، مما يعكس ثراء المدينة. كما أشار إلى جمالها الهندسي والتنظيمي، مما يدل على مكانتها كمركز للسلطة والثروة في عهد الميديين.

 

عندما أسس الأكراد أول إمبراطورية إيرانية في الشرق الأوسط القديم ( مادا ) تسموا بالآريين و ظهر بينهم نبي عظيم هو زرادشت الذي أطلق على بلادنا الشاسعة في تلك الأرجاء Aryana veyêce

آريانا ڤَييجا ،و بفضل السمات الإبداعية و الحضارية في كافة مجالات الحياة التي سبق إليها ذلك الشعب فقد أصبحت كلمة Êr تعني البطل و تعني الإنسان النبيل

ليس لدى الكرد فقط و لكن لدى بقية الشعوب المجاورة أيضاً و المصدر منها Êrîh : النبالة و الحسب و صارت كلمة êrman اسماً من أسماء الله أيضاً و Ar ( النار و لهبها)

و صارت الكلمة تدل على الأصل و الشيء الأصيل

Arîk/

آريك ،

و Arik

الأصل

آرِك

اللغة العربية من اللغات الحديثة التي أسست هيلمانها الصوتي و الدلالي على أساس من اللغات الكردية الحديثة و الوسيطة و القديمة و كانت تتبعها كظل لها طوال التاريخ

و كانت المفردات و الأصوات الكردية يتم تمثلها و استيعابها دائماً في اللغة العربية بزمن طويل من استخدامها في الكردية لكن بعد احتلال ايران شهر في الغزوات العربية الاستيطانية في بدايات القرن السابع الميلادي تم استيعاب المخزون اللغوي و المعرفي الكردي في اللغة العربية جملة واحدة .

دخلت هذه الكلمة كسواها من الكلمات اللغة العربية فأصبحت ( عِرق ) من Arik و ( عرج) irk أي أصل و العرجون / و كلمة : أرومة/ أي أصل / فضلاً عن كلمة عريق / أي Arîk / من آريِّ

 

أي شيء آري معروف بالجودة و النبالة و الأصالة

أي إن العربي حين يريد الافتخار بأصالته و أصالة أشيائه

فإنه ينسب نسبه أو أشياءه إلى العرق الكردي

 

و منها تسمية ( إيران) بلاد الآريين

و العراق ( Êrak)

و لا أستبعد أن تكون الكلمة أقدم من ذلك التاريخ بحيث تشمل عاصمة السومريين ( أوروك)

 

الكلمة موجودة في الإنكليزية Origin

Original

أصل ، أصلي

 

من Ar: أصل / آر

 

أما gên : فالحديث فيها طويل

هذا الجذر العظيم في الكردية

يحتاج إلى إفراد صفحة مستقلة طويلة عليه

 

فهذه الكلمات ( Ar- irk – Arik- Arîkكلها كردية أصيلة يا بني قومي

ليس لأصواتها أي معنى في العربية لأن الصحراء منذ القديم لا تنتج و لكن تستورد فقط

أما في الكردية فلهذه الأصوات معاني قديمة و اشتقاقات و تفرعات و تجليات في الثقافة و الدين و الأدب لا حصر لها

حتى اليوم كردنا يقولون / irça- arçinî

أي قلعه / خلعه من الأصل : فتنبه /

 

ملاحظة : الكلمات الدالة على الأصل و الأصالة و النبالة للجذر Ar- Êr

كلها موجودة في بابها في القاموس الپهلوي

 

 

‫ في مقاربة لسانية حديثة للآية ١٨ من سورة الواقعة

((بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ))

التي لا يدرى تاريخ و مكان ضمها للقرآن تبدو السطوة الكردية شديدة الوقع كمثال صارخ على هيمنة الثقافة و اللغة الكردية على العرب

هذه الكلمات في اللغة العربية لا تفهم معانيها سوى من خلال تعريفاتها التي تم تدوينها في مرحلة تدوين اللغة العربية في أواخر القرن الثامن الميلادي مع افتقار تام لأي فهم من أي نوع لدلالات الأصوات لأجزاء المورفيمات المكونة لتلك الكلمات.

هذه الكلمات لا يمكن العثور فيها على أي منطق أو نسق معرفي ناظم يمكن من خلالها الركون و لو بأقل ارتياح إلى عربيتها، و لا أدري كم من البشر قد يكونون قد قُتلوا خلال القرون الماضية ليؤمنوا بأن هذا الكلام عربي نطق به الله مخاطباً قوماً من العرب .

اللغة الكردية بحكم قدمها و عراقتها و بحكم انتظامها الاجتماعي و الديني و السياسي في سياق حضاري تاريخي طويل مستقر متصل بإمبراطوريات حكمت المنطقة لآلاف السنين لغة تسنى لها الوقت و الإمكانات الطبيعية و البيئية الغنية لتكون مسيرة بمنطق داخلي منسق و مرتب و بفلسفة تؤطرها مدعومة بالشواهد و الأمثلة.

 

كوب : Kûb ، من kû+ ab

الجذر Kû: في الكردية للدلالة على الأشياء المجوفة- التجويف

 

Kûr: عميق

Kûrt

Kort

حفرة

Kurtan

الجيوب الكبيرة على ظهر الحمار و غيره

البردعة

Kuwar

لحاويات المونة المجوفة، الحبوب الخ

 

Ab: ماء

 

Ab- ap: ماء

و الكلمة موجودة في السنسكريتية

Sanskrit kupah

 

و دخلت الإنكليزية Cup

 

كأس: من Kû: التجويف

و As:

آس في الكردية و الپهلوية و الآفستا : للمعدن، و الحديد ، و الحجر

وهذا : كاس، كوس: لأنه مصنوع من الحجر و المعادن عامة.

و سأذكر الكلمة الآخرى أيضاً و التي اقتبسها العرب حتى تكتمل سلسلة النسق لنماذج الآنية الصغيرة بحسب الفلسفة اللغوية للأمة الكردية العظيمة و هي كلمة:

 

قدح : القاف محولة و مبدلة من الكاف و أصل الكلمة كُداغ

كداخ/ و نعود مرة إلى الجذر : kû

أي التجويف، أما Dax

داغ/ داخ  فهي في الكردية الكوي بالنار مشتقة من Daw

من أسماء الشمس في الكردية

موجودة في الإنكليزية Day

يوم

في العربية: ضياء

في الكردية : dih

اليوم السابق ليومنا

موجودة في كلمة Bedew

بمعنى جميل ، رائع، مشرق

أصلها من bah+ daw

نور و ضياء الشمس

عربها العرب لتصبح ( بديع)

ثم جعلوه اسماً من أسماء الله

 

المهم نعود ل Dax/

داغ/ داخ/ هذا الاشتقاق ب الغين و الخاء في الكردية لأحد أسماء الشمس للتعبير عن الكي و الطبخ بالنار

قداح/ صيغتها الكردية و الإيرانية

كُداغ/ كداخ/ هو الكأس الفخار

 

منهجنا هو الدليل على دليل الدليل

أي العدد اللامتناهي من الاشتقاقات و الأصوات و النماذج و الأشباه القياسية على مذاهبنا اللغوية التي ندعيها ألا و هي كلمة

 

پورداغ/ pûrdax

و هو الإبريق الصباب

Pûr: يصب- صب

Dax: للإشارة أنه فخار

كلمة pûr

للصب دخلت اللغات الأوربية و الإنكليزية pour

يصب ، يسكب

 

إبريق: من Ab+ rêk

هذه الكلمة معربة و موجودة في كتب المعرب و الدخيل و لا فضل لي في تأصيلها.

 

آتي إلى كلمة

معين: من Mey

في الكردية بمعنى النبيذ

و în: في الكردية مطردة للدلالة على الإناء ، البرميل، الحاوية و كل ما حوى شيئاً فهو في الكردية În

و منه يوم الجمعة În لإنه إناء لكل أيام الأسبوع

و مثلة: بيت القش Kadîn

Kad: قش

Hêlîn: لأعشاش الطيور

Hêl: بيض

و Hêl: مكان الإيداع

و

ماهيل/ Mahêl

مكان الاستقرار

عربها العرب إلى محل

 

كلمة معين للدلالة على الخمر ليس للصوت أي معنى في العربية لأن الكلمة في العربية ليس للصوت فيها أي دلالة على الترك و النبذ لأن التخمير يحتاج لكلمة فيها معنى التحول و البقاء لزمن و هذه المعاني

ليست في ( معن)

لكنها في Ma

الكردية بمعنى بقي/ و بمعنى ترك و نبذ ، و كذلك بمعنى التحول

في اللغة الكردية Meyandin

تحويل المادة من حالة كيميائية لحالة مغايرة و منه meya

لتحول الحليب إلى الروب

و mê : في الأفستا للتغير و التحول، فضلاً عن وجود صيغ meyîn ، Mey

في الآفستا و البهلوية و كل اللهجات الكردية الحديثة بمعنى خمر ،

Mast

لبن رائب : لمروره بمرحلة التخمير/ زمن/ نبذ / ترك/ تحول

ملاحظة/ كل الكلمات الكردية السابقة سواء التي اقتبسها العرب أو اقتبستها اللغات الأوربية غير مؤصلة و هذا التأصيل هدية من القرباطي الفقير و لا فخر لهم جميعاً بما أنهم يدعون ليل نهار ب/ و قل ربي زدني علماً/ وكل كلمة نؤصلها تأصيلاً علمياً لسانيا دقيقاً بالصوت و الدلالة و الشواهد تعود ملكيتها رسمياً و إلى الأبد للغة الكردية العظيمة و يصبح الناس الأخرون الذين يستعملون أي صورة من صورها مقتبسين لها ليس لأن الكرد لم يستعملوها بل يستعملونها كلها لكن لأنه لم تقم جهود لسانية سابقة جادة على إقامة الأدلة الصوتية و الدلالية في تأصيلها .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…