سيرة الصمود: حياة بين الألوان والحديد 

 ماهين شيخاني

 

كنتُ ذلك الفتى الذي اختارَ الحرفَ على الرصاصة، والفرشاةَ على السوط. في صفوف المدرسة، حيث كان الجميع يرتدون الزي الأخضر للشبيبة، وقفتُ وحدي بلوني الباهت، كشجرةٍ وحيدةٍ في صحراء البعث. كان رفضي الانتماءَ قراراً وجودياً، كرفض الأرض لاحتضان جثث الغرباء. 

الرسوب: هزيمةٌ تتحول إلى قصيدة 

رسبتُ في البكالوريا مرتين، ليس لأنني لم أفهم الكيمياء، بل لأن الكيمياءَ نفسها رفضت أن تنحني لمعادلات النظام. 113 درجةً تبخرت بسبب “ربع علامة” في الفيزياء! كم كانت قاسيةً تلك الأيام، حيث كنتُ أشمُّ رائحةَ الأوراق الرسمية وهي تحترقُ بنار البيروقراطية، بينما أبي يصرخُ في وجهي: “لو انتميتَ للشبيبة، لَمَا حصل هذا!” لكنني كنتُ أبتلعُ دموعي كحبات الرمل، وأعيدُ قراءةَ ديوان “محمود درويش” سراً. 

الجندية: السجن الذي علّمني الحرية 

في الخدمة العسكرية (1983-1986)، تحولت الثكنات إلى مدرسةٍ أخرى. بين جدران الإسمنت الباردة، كنتُ أكتبُ الشعرَ الكردي على أوراق السجائر، وأخبئُ القصائدَ داخل جيبي كرصاصاتٍ غير مرئية. في الليل، حين كان الجميع يغطُّ في نومٍ ثقيل، كنتُ أسمعُ صوتَ الحارس وهو يهمسُ للريح: “هؤلاء الجنود ميتون، حتى لو تنفّسوا!” 

الفن: الانتفاضة الصامتة 

عندما أصبحتُ مدرساً للفنون، حوّلتُ الصفَّ إلى معرضٍ دائم. الطلاب كانوا يأتون إليّ خائفين، يمسكون الفرشاةَ كمن يمسكُ حجراً للرجم. لكنني علمتهم أن الفنَّ هو البصمةُ التي لا يمحوها النظام. “ارسموا كما تتنفسون”، كنتُ أقول لهم، بينما كنتُ أسمعُ وقعَ خطواتِ المديرِ خلف الباب، كأنه ذئبٌ يتربصُ بقطيعِ أغنامه. 

في عام 1992، نظمتُ معرضاً فنياً مشتركاً مع صديق. بعد ثلاثة أيام، اقتحموا بيتي في الفجر. “أنت تعلمُ أن الفنَّ ضد النظام جريمة؟” صرخ الضابطُ في وجهي، بينما كان رجلهُ تدوسُ على لوحاتي. أيامُ التعذيبِ لم تسلبني إيماناً، لكنها تركتْ ندوباً على ظهري كاللوحاتِ المشوّهة. 

18 عاماً في صحراء الوظائف 

بعد طردي من التدريس، صرتُ شبحاً يطاردُ الوظائف. في كلِّ مقابلة، كانوا ينظرون إلى سجلي وكأنهم يقرأون ملفاً أمنياً. “نأسف…” كانت الكلمةُ الوحيدة التي أعرفها جيداً. حتى المسابقةُ التي نجحتُ فيها عام 2009 (بعد غياب مفاجئ لموظفي الأمن!) لم تكن سوى نكتةٍ قاسية من القدر: وظيفةٌ بلا روح، كجسدٍ بلا قلب. 

التقاعد: النصر المر 

في نهاية 2020، تقاعدتُ. بدون راتب، بدون احتفال، فقط شهادةٌ صفراءُ كتب عليها: “انتهت خدمتُك”. لكنني ضحكتُ، لأنني عشتُ حياتي كما أردتُ: لم أنحنِ إلا للوطن، ولم أخنِ قلمي أو فرشاتي. اليوم، حين يزورني طلابي القدامى، وهم يحملون ذكرياتِ تلك الحصصِ الملونة، أعرفُ أنني ربحتُ المعركة الحقيقية: معركة الذاكرة. 

لمسات أخيرة: 

– رائحة المقاومة: أذكر رائحة الألوان الزيتية في الصف، تختلطُ برائحة الخوف من المدير. 

– الأصوات: صوتُ صفير الإنذار في السجن، وصوتُ ضحكات الطلاب وهم يرسمون بحرية. 

– اللمسات: ملمسُ أول فرشاة اشتريتها بعد العودة من الاعتقال، وكأنها سلاحٌ جديد. 

 

هذه ليست سيرة ضحية، بل سيرةُ إنسانٍ رفضَ أن يكونَ رقماً في دفتر النظام. قد لا أكونُ قد غيّرت العالم، لكنني على الأقل لم أسمح للعالم أن يغيرني.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…