صبحي دقوري
في لحظة ثقافية نادرة، يتصدّر الموسيقار الكوردي هلكوت زاهير المشهد الموسيقي العالمي بعدد أعمال معتمدة بلغ 3008 أعمال، رقمٌ يكاد يلامس الأسطورة. غير أنّ أهمية هذا الحدث لا تكمن في الرقم نفسه، بل في ما يكشفه من تحوّل جذري في مكانة الموسيقى الكوردية ودورها في المشهد الفني الدولي.
فهذا الرقم الذي قد يبدو مجرّد إحصاء، هو في الحقيقة دليل على اكتمال مشروع موسيقي طويل، بدأ بصوتٍ فردي يبحث عن هوية، وانتهى بإعادة تعريف حضور شعبٍ وثقافةٍ على الخارطة السمعية للعالم.
الهوية اللحنية: من النبرة الجبلية إلى الفضاء الأوركسترالي
تميّزت الموسيقى الكوردية تاريخيًا بثراء المقامات الفولكلورية، وتنوّعات الإيقاعات المتوارثة جيلاً بعد جيل. لكنّ هلكوت زاهير استطاع أن يقدّم خطوة كان يفتقدها المشروع الموسيقي الكوردي منذ زمن طويل:
نقل الموسيقى الكوردية من إطارها المحلي إلى فضاء أوركسترالي حديث، دون أن تفقد جذورها.
لقد تحوّلت الأغنية الجبلية، وإيقاعات الرقص الشعبي، والأنغام الحزينة التي تصاحب الحكايات الكوردية، إلى مادة أوركسترالية يمكن تقديمها في قاعات المسارح الأوروبية، وفي مؤتمرات الموسيقى العالمية.
وكان هذا الانتقال مشروطاً بتحويل الذاكرة السمعية الكوردية إلى لغة موسيقية قادرة على المنافسة، لا على الاكتفاء بالتوثيق.
هكذا نجح زاهير في صياغة معجم لحني معاصر، لا يتنكر لمواضعات الموسيقى الكوردية، ولا يذوب في الأنماط الغربية، بل يخلق بينها حواراً هادئاً يتسع للجميع.
الغزارة المنضبطة: حين يتحوّل الكمّ إلى مشروع جمالي
إن بلوغ 3008 أعمال معتمد ليس حدثاً عادياً في تاريخ أي مؤلف موسيقي. لكنّ القيمة النقدية لهذه الغزارة لا تُقاس بعدد الأعمال وحده، بل بقدرة الفنان على تحويل الكمّ إلى تنويعات جمالية ذات روح واحدة، لا إلى تكرار رتيب.
في أعمال زاهير نجد:
وحدة شعورية متماسكة
حضورًا واضحًا لروح المكان
نزوعًا دائمًا نحو الدراما الموسيقية
سعيًا إلى تحقيق توازن بين الميلودية والفضاء الأوركسترالي
إنه يستخدم الكمّ ليس كوسيلة لإثبات نشاطه، بل كـتجريب مستمر في اللغة الموسيقية، وفي هذا التجريب تتشكل فرادة مشروعه: تعدد الأساليب، مع بقاء الهوية.
بين الفولكلور والتقنية: الموسيقى الكوردية تدخل عصر الصناعة
لطالما عانت الموسيقى الكوردية من فجوة بين غنى التراث وغياب مؤسسات موسيقية حقيقية قادرة على تدويل هذا التراث. فجاء مشروع هلكوت زاهير ليكشف أن المشكلة لم تكن في المادة التراثية نفسها، بل في إعادة صياغتها بمفردات العصر.
لقد أدخل زاهير الموسيقى الكوردية إلى فضاء الصناعة الموسيقية الحديثة عبر:
التسجيل الاحترافي
العمل بالأوركسترا
كتابة السطور الموسيقي وفق المعايير الدولية
التعاون مع منصّات التوزيع الرقمي
وبذلك تحولت الموسيقى الكوردية من “موروث” يهدده الضياع، إلى منتج فني له مكان في السوق العالمية.
المكان بوصفه صوتًا: جغرافية تتكلّم بالنغم
ليست موسيقى هلكوت زاهير مجرد ألحان، بل هي جغرافيا تُدوَّن بالأصوات.
فكل قارئ لتاريخ الكورد يعرف أن الجبال والوديان والانتقالات الموسمية بين القرى والمدن لم تكن مجرد أماكن، بل أصواتًا تسكن الذاكرة الجمعية.
وقد استطاع زاهير أن يلتقط هذه الجغرافيا السمعية، ويعيد تشكيلها في صورة تليق بالقرن الحادي والعشرين.
إنّ ما يفعله هو تحويل المكان إلى صوت عالمي، بحيث يتعرّف المستمع غير الكوردي على روح الجبل، دون أن يفهم لغته، وعلى حزن الهجرة، دون أن يمرّ بتجربتها، وعلى نشوة الرقص الجماعي دون أن يشارك فيه.
الجماعي، ودراستها.
إن المشروع الموسيقي لهلكوت زاهير ليس مجرد إنجاز فني، بل هو إعادة كتابة للوجود الكوردي في اللغة الموسيقية للعالم.
فما يقدّمه هو في جوهره فعل مقاومة ثقافية هادئة؛ مقاومة باللحن، لا بالصوت العالي، وبالحضور المتراكم لا بالشعارات.
وببلوغه 3008 أعمال معتمداً، يعلن زاهير بداية عصر جديد للموسيقى الكوردية:
عصر تتراجع فيه الحدود بين المحلي والعالمي، بين التراث والحداثة، وبين الجبل والأوركسترا، ليولد من هذه الأضداد فنٌّ قادر على تمثيل شعبٍ وتاريخه وذاكرته.
إنه يثبت مجددا أنّ الهوية حين تمتلك لغتها الموسيقية، لا تعود بحاجة إلى من يدافع عنها؛ فهي تدافع عن ذاتها بالنغم