قضايا المرأة بين لطفية الدليمي ومارغريت أتوود

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

     لَمْ تَعُدْ قضايا المَرْأةِ في الأدب موضوعًا هامشيًّا ، أوْ صوتًا خافتًا يمرُّ في الهامشِ الثقافي ، بَلْ تحوَّلت إلى مِحور عميق يكشف طبيعةَ المُجتمع ، ويُعرِّي بُنيته الفِكرية والأخلاقية . فالأدبُ مُنذ نشأته كانَ مِرْآةَ الإنسانِ ، لكنْ حِينَ تكتبُ المَرْأةُ عن ذاتها وتجربتها ، تتحوَّل المِرْآةُ إلى عدسة أكثر حساسية ودِقَّة . وفي هذا السِّياق يَبْرُز اسمان لامعان في الأدب العربي والعالمي : الكاتبة العِراقية لطفية الدليمي ( 1939 _ 2026 ) ، والكاتبة الكندية مارغريت أتوود ( وُلدت 1939 ) ، حيث قدَّمت كُلٌّ مِنهما رؤيتها الخاصَّة لقضايا المرأة ، مُتَّكئة على سِياق ثقافي مُختلف، لكنَّها تلتقي في جَوهر واحد، هُوَ الدفاع عن إنسانية المَرأة ، وحَقِّها في الحُرية والاختيار .

     تنطلق لطفية الدليمي في كتاباتها من واقع عربي مُعقَّد ، تتشابك فيه التقاليد الاجتماعية مع التحوُّلات السياسية والثقافية . فهي لا تُقَدِّم المَرأةَ بوصفها ضحية مُطْلقة ، بَلْ ككائن واعٍ يُحاول فهمَ العالَم ومُقاومة قيوده . في رواياتها وقصصها تبدو المَرْأةُ شخصيةً مُفكِّرة ، وقارئة ، وعَالِمة أحيانًا ، تبحث عن موقعها في عَالَم يَضِيق بأسئلتها .

     أمَّا مارغريت أتوود فتتخذ مسارًا مُختلفًا ، فهي غالبًا ما تلجأ إلى الخيال الكابوسي لتكشف المخاطرَ الكامنة في الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي تسلب المرأةَ حُريتها ، وتُصوِّر عَالَمًا مُستقبليًّا تُخْتَزَل فيه المَرأةُ إلى وظيفة بيولوجية ، حيث تُستخدَم أجساد النِّساء كوسيلة للإنجاب في مُجتمع استبدادي مُغلَق ، ورغم انتماء هذه الفِكرة إلى الخيال الأدبي ، إلا أنَّها تَحمل تحذيرًا عميقًا مِن إمكانية تحوُّل الواقع إلى نُسخة قاسية في المُستقبل .

     تؤمن لطفية الدليمي بأنَّ المعرفة هي الطريق الأهم لتحرُّر المرأة . لذلك تمتلئ نُصوصُها بإشارات إلى العِلْم والفلسفة والفِكر الإنساني . المَرأةُ في عَالَمها لَيستْ كائنًا عاطفيًّا فَحَسْب ، بَلْ هِيَ عقلٌ يبحث عن الفهم . هذا الحُضور للمعرفة يخلق صُورةً مختلفة للمرأة العربية ، فهي لَيستْ مَحصورةً في الدَّور التقليدي ، بَلْ قادرة على المُشاركة في إنتاج المعرفة نَفْسِها .

     في المُقابل ، تُقَدِّم مارغريت أتوود رؤيةً أُخرى للمعرفة ، حيث تُصبح السَّيطرة على المعرفة أداةً للهَيمنة ، لأنَّ المعرفة تَمنح القُدرةَ على التفكير والاحتجاج ، وهذا يدلُّ على العلاقة العميقة بين السُّلطة والمعرفة ، فحين تُسلَب المرأة حق التعلُّم ، يُصبح إخضاعها أكثر سُهولة ، ويُصبح السَّيطرة عليها فلسفةً اجتماعية قائمة بذاتها .

     مِن أبرز القضايا التي تَجمع بين الكاتبتَيْن ، قضيةُ ” الجسد الأُنثوي ” . فالجسدُ في كثير مِن المُجتمعات يتحوَّل إلى ساحة صِراع بين الحُرية والسُّلطة .

     عِند لطفية الدليمي يَظهر الجسدُ بوصفه جُزءًا مِنْ هُوية المرأة الإنسانية ، لا مُجرَّد مَوضوع للرغبة ، أو الرقابةِ الاجتماعية . هي تُحاول إعادةَ الاعتبار للجسد بوصفه كِيانًا طبيعيًّا لا يَنبغي أنْ يَكُون مَصدرَ قَمْعٍ أوْ خَوْفٍ. أمَّا عِند مارغريت أتوود ، فإنَّ الجسد يتحوَّل إلى رمز سياسي واضح . في عَالَمها الكابوسي ، يُستلَب الجسد ، ويُعاد تعريفه وفق قوانين السُّلطة . وهُنا تكشف الكاتبةُ عن أخطر أشكال القمع: حين تتحوَّل المرأةُ إلى وظيفة بيولوجية لا أكثر .

     اللغة عند الكاتبتَيْن لَيستْ وسيلةَ سَرْدٍ فقط ، بَلْ أيضًا أداة مُقاوَمة . لطفية الدليمي تَستخدم لُغةً شاعرية هادئة ، لكنَّها مُشبَعة بالتأمُّل الفلسفي ، كأنَّها تفتح نافذةً صغيرة للحُرية داخل واقع مُضطرب . أمَّا مارغريت أتوود ، فتكتب بِلُغة حادَّة أحيانًا ، وساخرة أحيانًا أُخرى ، لتكشفَ تناقضات السُّلطة وخطورتها .

     إنَّ اختلاف الأُسلوب بَينهما يَعكس اختلافَ السِّياقِ الثقافي . لطفية الدليمي تَكتب مِن داخل مُجتمع تقليدي يُحاول التوازنَ بَين الحداثةِ والتُّراثِ ، بَينما تَكتب مارغريت أتوود مِن داخل مُجتمع غَرْبي مُتقدِّم تقنيًّا ، لكنَّه لَيس بِمَنأى عن احتمالاتِ التراجعِ والقمعِ والاستبدادِ .

     وعلى الرغم مِن اختلاف البيئة والثقافة، تلتقي الكاتبتان في فِكرة جَوهرية : المرأة إنسان كامل، لها عقلها وحُريتها وحقها في تقرير مصيرها، لا تُختزَل في دَور اجتماعي ضَيِّق، ولا يُمكِن القَبول بِتحوُّلها إلى أداة في نظام سُلطوي .

     إنَّ مُعالجة قضايا المرأة عند لطفية الدليمي ومارغريت أتوود تكشف عن تقاطعات واختلافات في آنٍ واحدٍ. إنَّهما تَنطلقان مِن وعي نقدي بِبُنى الهَيمنة الاجتماعية والثقافية التي تُحاصِر المَرأةَ ، غَير أنَّ اختلاف السياقَيْن الثقافِيَّيْن ينعكس في طرائق التمثيل السردي ، وطبيعةِ الأسئلة المطروحة .

     تُقَدِّم لطفية الدليمي مُقاربة أقرب إلى التأمُّل الإنسانيِّ والهَمِّ الاجتماعي ضِمن فضاء عربي مُثْقَل بالتحوُّلات، بَينما تميل مارغريت أتوود إلى تَوظيف الخيال والبُعْدِ التحذيري لفضح آلِيَّات السُّلطة الاجتماعية القامعة للمرأة .

     ومعَ ذلك ، لا تَخلو التجربتان من حدود نقدية ، إذْ قد ينزلق الخِطابُ أحيانًا إلى التَّعميم ، أوْ إلى تكثيف رمزي يُضْعِف حُضورَ التجربة الفردية الواقعية . وقيمةُ هاتَيْن التجربتَيْن لا تَكْمُن في تقديم نموذج مُكتمل لمعالجة قضايا المرأة ، بَلْ في فتح أُفُق للحِوار النقدي حول تمثيل المرأةِ في الأدبِ ، وإبرازِ الحاجةِ إلى مُقاربات أكثر توازنًا تربط بَين الحِسِّ الجَمَالي والوعي الاجتماعي، دُون الوقوع في التَّمجيد أو الاختزال .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…