أطفال بلا وطن

خلات عمر

لم تكن البداية استثناءً،,,   بل كانت كغيرها من حكايات القرى: رجل متعلّم، خريج شريعة، يكسو مظهره الوقار، ويلقى احترام الناس لأنه “إمام مسجد”. اختار أن يتزوّج فتاة لم تكمل الإعدادية من عمرها الدراسي، طفلة بيضاء شقراء، لا تعرف من الدنيا سوى براءة السنوات الأولى. كانت في عمر الورد حين حملت على كتفيها مسؤولية الزواج دون أن تُمنح فرصة لاختيار أو تقرير.

دخلت إليه زوجة… وخرجت من طفولتها دفعة واحدة.

سنوات طويلة مرّت، عاشت خلالها هذه المرأة ما لا يمكن لغيرها احتماله.

انتقلت معه عشرات المرات   من قرية إلى أخرى، ومن بيت مهجور إلى غرفة مستعارة، ومن جدار ينهار إلى سقف لا يحمي مطراً ولا برداً. كانت حياتها سلسلة من التنقّلات المتعبة، وكأنها لا تعرف الاستقرار إلا في حلم

كل مرة كانت تبني بيتاً، كان القدر يدفعها لتركه.

كل مرة كانت تزرع أملاً، كان يُقتلع من جذوره.

لكنها مع ذلك كانت تمشي خلف زوجها بثقة العميان، لا لأن الحياة سهلة، بل لأنها لم تتعلم كيف تواجه العالم وحدها

الفقر كان رفيقها الأول.

الترحال كان رفيقها الثاني.

والخوف من المستقبل كان ثالثهم

عاشت على صدقات أهلها وأهل القرى، ومع ذلك لم تقل يوماً إنها مُهانة. كانت تقول:

“الرجل إمام مسجد… وسيعوّضنا الله.” سنوات مرت دون أن ترزق بطفل ، لكنها صبرت. لا دموع، لا شكوى. فقط امرأة تحاول أن تطبّق ما تعلمته من الحياة: أن الصبر مفتاح الرحمة. ثم جاء الفرج، وأنجبت بنتاً وصبياً، كأن السماء أرادت أن تُعيد بعض التوازن إلى قلبها.

استقرّ الأمر قليلاً. اشترى الزوج بيتاً صغيراً، رغم ضيق الحال. شعرت حينها لأول مرة أن حياتها تسير نحو برّ الأمان. تنفّست… وظنّت أن رحلتها الطويلة انتهت.

لكن الحقيقة كانت أبعد ما تكون عن ذلك.

خلال تنقّلاته المتكررة بين القرى، تعرّف على امرأة مطلّقة وأم لولدين  بدأت العلاقة خفية، ثم تحوّلت إلى زواج سري. لم يخبر زوجته، ولم يفكر في مصير أطفاله. لم يتذكرمر وعذاب  عشرات المرات  التي  سافرت فيها معه وهي تحمل حقائب الفقر على ظهرها. ,,!

نسي كل شيء…

نسي دموعها حين كان الجوع يطرق بابهم.

نسي خوفها وهي تنتقل من مكان لآخر بلا سند.

نسي كيف كانت تقف خلفه في أصعب أيامه.

نسي تعبها الذي لا يعلمه إلا الله.

كانت خيانته أكبر من أن تُفهم… وأقسى من أن تُغتفر،،،

تركها فجأة، بلا تفسير.

تركها أمام مجتمع يحمّل المرأة وزر خطايا غيرها، مجتمع يرى الرجل دائماً مبرَّراً والمرأة دائماً مُدانة. أصبحت تواجه الحياة وحدها، وطفلاها يمسكان بطرف ثوبها لا يفهمان لماذا غاب الأب،،

أصبح مستقبل الأولاد معلقاً بخيط رقيق:

أب مشغول بزواجه الجديد،

وأم منهكة،

ومجتمع يرى في المرأة الضعيفة فريسة جاهزة.

أطفال لا يعرفون لماذا تغيّر كل شيء، ولا ما الذي ينتظرهم.

أطفال أصبح مصيرهم مجهولاً لأن رجلاً قرر أن يتبع نزوة بدل أن يحمي بييت،،،

اليوم، تقف تلك المرأة على أطلال حياتها، تتساءل بكل وجع:

أي ذنب ارتكبته لتُعاقَب بهذا العذاب؟

وأي عدالة تترك امرأة تنقلت عشرات المرات خلف رجلٍ خانها؟

كيف تُترك أم تواجه وحدها مجتمعاً ظالماً… وأطفالاً ينتظرون من يُنقذهم من مصير مجهول؟

هذه ليست مجرد قصة…

إنها شهادة على امرأة انتصرت على الفقر، وعلى الترحال، وعلى الخذلان… لكنها لا تزال تقف أمام سؤال واحد بلا إجابة:

لماذا تُهزم المرأة دائماً… حتى حين تكون الأكثر وفاءً؟

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ ( وُلدت 1945 ) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية،أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة.لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع ، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة ” ،…

أ. د. قاسم المندلاوي

اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء…

صدرت حديثا عن دار الزمان للطباعة والنشر المجموعة المسرحية الجديدة للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل إسماعيل، والتي تحمل عنوان “صرخة الطاووس”، في 139 صفحة، وتضم خمسة نصوص مونودرامية تعكس تجارب إنسانية وفكرية عميقة.

وتتضمن المجموعة النصوص التالية:

“الكابوس”: يتناول حلم كاتب متمرد يتحول إلى كابوس، تختلط فيه الحدود بين الواقع والخيال.
“خَجي”: نص مستوحى…