اللجوء السوري يصطدم بالجدار الألماني في «ترانيم التخوم»

كاتيا الطويل

مازن عرفة يكتب رواية المنفى والاقتلاع الوجودي والصراع مع ثقافة الغرب

«ترانيم التخوم» رواية جديدة للكاتب السوري المقيم في ألمانيا مازن عرفة، تندرج ضمن مشروعه السردي الخاص الذي يعمل عليه منذ 15 عاماً ويهدف إلى تدوين “الحكاية” السورية. وبعد محور أول يتناول الوجع الناتج من الوحشية والعنف والقسوة السائدة في الداخل السوري، يأتي المحور الثاني الذي تنتمي إليه هذه الرواية، ليكون مرآة الحياة السورية في المنافي.

تأتي رواية «ترانيم التخوم» (دار ميسلون 2025) لتكون لعبة سردية مبنية على تلاشي الحدود بين الواقع والهلوسات، فليست هذه الرواية سرداً ليوميات مهاجر سوري فحسب، بل هي مساحة لمجموعة أحلام وتهيؤات وهلوسات تصيبه ويروح ينقلها بفوضى منظمة. فبين كل فصل وفصل سردي، محاكاة أو كابوس أو هلوسة تمنح السرد جرعات عبثية أبوكاليبتية، فيأتي عالم المحاكاة واللامرئي في هذا السرد ليمنح الرواية الغرابة واللامتوقع اللذين يتمتع بهما عموماً أدب مازن عرفة. مجموعة مشاعر سوداوية كابوسية منها ما هو مستل من واقع معيش ومنها ما هو نتيجة استيهامات ذهنية تترك القارئ قابعاً على الحدود بين ما يعيشه الراوي وما يتخيله.

 

خلف قضبان الزمان والمكان واللغة

تقوم هذه الرواية على ثلاثة أقسام كبرى تختلف بالنوع والفن والنمط، مما يمنح السرد كثيراً من الطبقات والمستويات والفضاءات، فيقع القارئ في فخ مازن عرفة في القسم الأول من الرواية عندما يظن أن السرد كله قائم على يوميات رتيبة لمهاجر سوري مقيم في ألمانيا، وعلى ما في هذا القسم من ثراء روائي ووصفي ونقدي واجتماعي، فلا تترسخ جماليته إلا بالقسمين الثاني والثالث.

يتضمن القسم الأول خمسة فصول تفصل بينها خمسة فصول صغرى بعنوان «محاكاة»، وتتناول فصول السرد الحياة الرتيبة المملة الباردة التي يعيشها الراوي في عالم واقعي بارد قاسٍ يفتقد دفء العلاقات الإنسانية. ملل ورتابة قاتلان لدرجة أن الراوي يفقد الحس بالزمان ويكتب: «يبدأ نهار جديد، رتيب، ممل، بليد، كالعادة، لا أتذكر اليوم والشهر تماماً، بالأحرى، لا أرغب في تذكرهما».

حقول معجمية مغرقة في السأم والإحباط والفراغ والتكرار، جمل طويلة سوداوية فيها وحدة قاتلة ودوامات من العودات إلى الوراء والحزن، فيقع القارئ على رجل ستيني، كاتب، مهاجر، يجهل الألمانية، مقيم في مدينة بفورتسهايم جنوب غربي ألمانيا – شمال الغابة السوداء، وهو عنوان إحدى روايات مازن عرفة السابقة (الغابة السوداء، 2023).

يعيش الراوي/ الكاتب في هذه الرواية غربة داخلية على رغم محاولاته الكثيرة لإقامة علاقات مع المحيطين به، يعيش فراغاً ومللاً هائلين في غرفة وبيت ومدينة وبلد لا يراه ولا يريد أن يقيم معه أي علاقة، فيقول: «أنا لست إلا مجرد لاجئ، مهجر من بلادي بسبب الحرب، فماذا أعني للآخرين؟». لا أحد يرى الراوي ولا أحد يكلمه ولا أحد ينتبه حتى إلى وجوده لدرجة توصله إلى الشك في وجوده وقوله، «أو ربما أنا غير موجود. ».

يعيش الراوي في عزلة قسرية سجين قضبان اللغة والعمر والصفة الاجتماعية والوضع المادي لدرجة أنه يقول «أشعر بالملل» ست مرات في صفحة واحدة وفي مقطع واحد (ص:44)، لكن طبيعة الألمان نفسها لا تساعده على إقامة صداقات، فيكتب عن الألمان: «هم بطبيعتهم متحفظون، منغلقون، منعزلون، يتركون دائماً مسافة بينهم وبين الآخرين، حتى في ما بينهم».

يعج نص مازن عرفة بوصف للألمان ولطبيعتهم وللعلاقات التي تربطهم ببعضهم بعضاً وبغيرهم، فتمر في نسيج النص جمل كثيرة فيها كثير من الوحدة بسبب طباع أهل هذا البلد الذين يخلقون منفى جديداً يجب على الراوي أن يعيشه، فيردد الراوي طوال سرده جملاً تعكس مرارة وعزلة قسرية، فيكتب: «اللقاء مع الألمان بيروقراطي، معقد جداً»، ثم يعيد: «اللقاء مع الآخرين صعب»، ثم يكمل متحدثاً عن المجتمع أنه: «مجتمع منغلق بالأصل»، ليعود فيقول: «يحاصرني مجتمع غارق في برودته العاطفية، يستنزف العمل الطويل زمن أفراده، مع بيروقراطية تتسلل حتى تفاصيل الحياة المعيشية اليومية».

يبدو المجتمع الألماني مجتمعاً منغلقاً على نفسه، أهله منعزلون فرداويون يرفضون الغريب ويحافظون على حميميتهم ووقتهم لأنفسهم، لكن ما يزيد الطين بلة هو عادات الألمان وعلاقتهم بجسدهم وحرياتهم الجنسية التي تختلف تمام الاختلاف عن علاقة المشرقيين بجسدهم وحياتهم الجنسية. مفاهيم جديدة يضطر الراوي إلى اكتشافها وتفهمها والتعايش معها وهو الذي يعود في هذا البلد طفلاً صغيراً يجب أن يتعلم الأصول من جديد، فيكتب: «تزداد الغربة بنوعية بعض شرائح المجتمع الألماني الموجودين فيه، مثليين، سحاقيات، لا جنسيين (لم أكن أعرف بمثل هذا التصنيف الأخير سابقاً)، ومتشددين مسيحيين على نحو مرضي (أستغرب وجودهم في مجتمع أوروبي متقدم)، وعنصريين ضد المهاجرين، وزوجين يهوديين متعصبين لإسرائيل، ونساء وحيدات تكتفين بالحياة مع كلابهن، بعيداً من علاقات إنسانية مع الجنس الآخر (تحضر كلابهن الاجتماعات معنا)، ومنزوين وانعزاليين، كأنهم فقدوا القدرة على الكلام مع أحد».

تتحول هذه الرواية من تخييل ذاتي أو من سيرة ذاتية أو حتى من أدب رحلة لتكون رواية تعليمية يعيد الراوي فيها اكتشاف القيم الأخلاقية والقيم الاجتماعية، يعيد اكتشاف ذاته ويتعلم مواجهة المجتمع والغوص فيه والتمييز بين ما يمكن قوله أو فعله وما لا يجوز. تجارب بالغة الأهمية تصقل الراوي الستيني ومعه القارئ اللذين يروحان يبنيان شخصيتهما وهويتهما في مجتمع غريب بارد تختلف قيمه عن كل ما هو متعارف عليه في المشرق والعالم العربي.

علاقات عبثية تسم السرد، فلا هي تؤول إلى أي مكان لاختلاف الطباع والعادات والتقاليد ولا هي تسمح للراوي بالنضوج والتطور، فيروح هذا الأخير يحاول تعلم اللغة أو الانتظام في جمعيات أدبية أو حتى ترجمة أعماله إلى الألمانية وهي كلها طبعاً محاولات غير ذي فائدة، ليصل الأمر بالراوي أن يقول بسخرية سوداء: «لا أجد أحداً أتحدث معه، فأتبادل الحديث مع نفسي، وأشعر بتداخل بين الواقع والخيالات، وتمحى الحدود بينهما، أليس هذا هو الجنون؟».

 

سرد وترسل وفانتازيا

يأتي القسم الثاني من الرواية ليكون جوهرياً من جهة الحبكة والمتعة السردية، فهذا القسم مؤلف من رسائل يتلقاها الراوي من ألمان لم يستطع إقامة أي رابط معهم أو من ابنه أو من أصدقاء له، لينقل هذا القسم وجهات النظر الأخرى وطريقة تفكير جديدة، قسم ثان غير متوقع فيه كثير من المكر السردي والبراعة، يكتشف فيه القارئ والراوي معاً الواقع من منظار الآخر. رسائل من مارك ومن يوهان ومن جيزيل ومن يوني تظهر تصرفات الراوي وكيف يراها الآخرون المحيطون به، لتتحول محاولات الراوي التي قام بها عن براءة مشرقية وحسن نية ورغبة قوية بالاندماج في المجتمع إلى خطايا وزلات وهفوات في مجتمع له أصوله وأحكامه الخاصة.

وبين الشرق والغرب، بين الطبيعة التي تتوق إلى الالتقاء بالآخر والمجتمع الألماني البارد، تدخل في السرد دوامة أخبار سياسية ودوامة مستجدات عالمية يقرأها الراوي وتنقل الرواية إلى بعد واقعي سوداوي جديد، فبينما اللاجئ يصارع في مدينته الجديدة ليتمكن من البقاء والاستمرار، يظهر البلد الأم في الويل والشرق في ألف مصيبة والعالم سائراً إلى حتفه بين إيران وإسرائيل وأميركا وحرب أوكرانيا وروسيا.

«ترانيم التخوم» رواية ثرية بمكان، تكرس مرة أخرى قدرة مازن عرفة على صهر الواقع بالخيال، الحقيقة بالفانتازيا، اليومي بالغريب. رواية ذات طبقات متراكمة متشابكة من ناحية الأساليب السردية والفنون الأدبية والصور الجمالية والنقد الاجتماعي والأفكار والمشاعر والصراعات والهلوسات والسوداوية والسخرية الماكرة.

بين الشرق والغرب، بين الغربة الداخلية والغربة الوجودية، بين اليوميات والهلوسات، راوٍ ضائع في الزمان والمكان واللغة، وفصول متأرجحة بين فن السرد وفن الترسل والكتابة السوريالية. «ترانيم التخوم» رواية الواقع والكابوس اللذين معاً لا ينفكان يذكران بوحشية العالم المعاصر وغرق الغرب في نزواته وتجذر الديكتاتوريات الشرقية القاتلة التي ما عاد يردعها رادع.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أفين حمو| كاتبة سورية

تنهض رواية “أوان الشدّ: وصال الحبيب للحبيبة” للكاتب محمد فايز حجازي على بنية سردية مركبة، تتشابك فيها الأزمنة مع العواطف، ويتجاور التاريخي مع الإنساني، لتقدّم نصًا يعيد مساءلة الهوية عبر أدوات سردية حديثة تستند في عمقها إلى مرجعية تراثية ومعرفية راسخة.

يشكّل العنوان ذاته بوابة تأويلية تستدعي الذاكرة الثقافية العربية؛ إذ يحيل “أوان…

صبحي دقوري

ليس من اليسير أن يُتناوَل رجلٌ مثل جان دانييل بوصفه صحافيًّا وحسب، فإن في هذا الوصف اختزالًا لحقيقةٍ أوسع، وتقليصًا لدورٍ تجاوز حدود المهنة إلى حدود الفكرة. فالصحافة، كما تُمارَس في الغالب، صناعةُ خبرٍ وتعليقُ ساعةٍ واستجابةُ ظرفٍ؛ أما الصحافة كما أرادها هو، فهي موقفٌ من التاريخ، ونظرٌ في مصير الإنسان، وسؤالٌ عن العلاقة…

بهزاد عجمو

يا صقر الجبال

لقد علّمتنا دروب النضال

و حبّك للوطن كان مثل الشلال

و تاريخك كان من نار

و سيفك شاهر دوماً في وجه العدوّ الغدّار

* * *

يا صقراً كنت تطير دوماً في أعالي السماء

وكان ينزف من جراحك الدماء الحمراء

يا صقراً أذقت العدوَّ شر البلاء

يا صقراً كان يهابك كل الأعداء

يا دويّ المدافع في البيداء

يا حنين الشوق و اللقاء

و…

صدرت مؤخرًا الترجمة الإنجليزية لرواية «جمهورية الكلب» للكاتب الكردي السوري إبراهيم اليوسف، عن دار TASQ Publishing، في إطار مشروع يهدف إلى إتاحة أعمال سردية مكتوبة بالعربية أمام قرّاء جدد خارج لغتها الأصلية.

تعالج الرواية تجربة فرد كردي قادم من سوريا يعيش في المجتمع الأوروبي، حيث لا تُقاس الغربة بالانتقال الجغرافي وحده، بل بما يطرأ على علاقة الإنسان…