الإنسان لا يتعلم إلا بالتفاعل

 ابراهيم البليهي
    من أبرز الشواهد على إخفاق التعليم الذي لا يقوم على التفاعل الجياش عجزُ الدارسين عن اكتساب السليقة النحوية للغة العربية فالطلاب يحفظون القاعدة والمثال فينجحون في الامتحان لكنهم يبقون عاجزين عن إتقان التحدث أو القراءة من دون لحن إن هذا الخلل ليس خاصا باللغة بل يشمل كل المواد فالمعلومات تختلف نوعيا عن الممارسة والأداء؛ فكثير من المتفرجين يعرفون قواعد اللعب أكثر من اللاعبين أنفسهم لكن هذه المعرفة لا تجعل المتفرج لاعبا ماهرا فالتعلم لا يتحقق إلا بدافع الحاجة والشغف والتفاعل وليس من كتاب مُجبَر على حفظ محتواه أو الاستماع إلى معلم من دون تفاعل حي بين المعلم والمتعلم.  فالإنسان خلال القرون ظل يكتسب مختلف المهارات عن طريق التفاعل بين الأجيال فالأبناء يكتسبون الحرف ويتقنونها بالممارسة والتفاعل. وكانت المهن دقيقة وذات تركيب شديد وكنموذج على ذلك التعقيد علينا أن نمعن النظر في تكوين (المحَّالة) التي كانت تستخدم في السواني. إن عملية السواني برمتها معقدة وتدل على أن الحاجة أم الاختراع.
كانت البنت البدوية تتعلم من أمها غزل الصوف ويمتد التعلم العملي من المغزل حتى نصب البيت كاملا وكذلك كانت أعمال النجارة والحدادة ومختلف الحرف فالأصل في التعلم أنه يقوم على الممارسة والتفاعل المباشر مع المجال.
الأصل في تَعَلُّم الإنسان أنه يحصل بالتفاعل الحي مع الناس والتفاعل مع مجالات الأداء ومع الأشياء ومع الواقع ليس هذا فقط بل إن أعظم ابتكارات الإنسان قد تمخَّضت عنها الحاجة والتفاعل الحي بين الناس فاللغات بكل  ثرائها ونُظُمها وتعقيدها ودقة الفروق بين ألفاظها ومع كل ذلك فإنها نتاج الحاجة وثمرة التفاعل التلقائي الحي بين الناس تخيَّل ثراء وقواعد اللغة العربية وتخيَّل أنها تكَوَّنت تلقائيا ولن يدرك عظمة هذا الانجاز إلا من لهم مراس مع معاجم اللغة وقواميسها حيث يرون دقة الفروق مثل (بَر وبُر وبِر) فالإنسان الأمي يميز بين هذه الفروق الدقيقة من دون أن ينتبه وإنما يجري الاستخدام الصحيح تلقائيا؛ فالتعليم القسري طارئ ومضاد للطبيعة البشرية؛ فالإنسان يتعلم بتفاعله الحي مع المجال وليس بإرغامه على حفظ نصوص مكتوبة تتعارض مع رغباته واحتياجاته واهتماماته وأشواقه.
إن الإنسان لا يمكن فهمه إلا باعتباره كائنا تفاعليا محكومًا برغبات وحاجات ونوازع واهتمامات وآمال وتطلعات فكل تقدم علمي في الفلسفة وعلم النفس واللغويات والأنثروبولوجيا وعلوم الدماغ يُثبت اليوم حقيقة ضخمة ذات أهمية بالغة:
الإنسان كائنٌ تفاعليٌّ، لا يكتمل وجوده إلا في شبكة العلاقات التي تربطه بالآخرين وباللغة وبالواقع.
           قد يبدو هذا القول بديهيًا، لكنه في عمقه يقلب التصور التقليدي عن الإنسان. فالإنسان لا يتكوّن من الداخل نحو الخارج، بل من الخارج نحو الداخل؛ لا يصنع وعيه من ذاته، بل يتلقّاه عبر علاقة حيّة ودائمة مع من حوله. وكما يقول عالم الاجتماع بيار بورديو:
((إن كثيرًا مما يظنه الإنسان من أفكار هو في الحقيقة صدى لأصوات الآخرين في داخله))
وهذه الحقيقة تتأكد عند النظر في نشأة أهم ما يجعل الإنسان إنسانًا: اللغة. فالطفل لا يخترع لغته، ولا يتعلمها من الكتب، ولا بالتلقين بل يكتسبها عبر التفاعل المباشر مع الأصوات والوجوه والإشارات وأجواء الحياة اليومية. ولهذا قال فيتغنشتاين:
((معنى الكلمة هو استعمالها))
لا استعمال الفرد وحده، بل استعمال الجماعة بأكملها. إن اللغة نسيجٌ تفاعليٌّ، يتشكل فيما بين الناس، ويتغير بتغيرهم، ويتطور بتطور تواصلهم.
ويؤكد عالم النفس مايكل توماسيلو أن اللغة لم تظهر فجأة، بل نشأت من ((التفاعل الاجتماعي التعاوني)) فالبشر طوروا قدراتهم اللغوية لأنهم احتاجوا إلى التعاون، لا إلى العزلة. ولهذا قال في كتابه أصول التواصل البشري:
((اللغة لم تنشأ من عقل فرد، بل من عقول تتفاعل، ومن حاجات اجتماعية مشتركة))
حتى الإدراك الحسي نفسه ليس عملية فردية صرفة. فالإنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما تعلّم أن يراها عبر ثقافته وبيئته وتعامُل الآخرين معها. وكما يؤكد مرلو-بونتي في كتابه ظاهراتية الإدراك:
((الإدراك فعلٌ مشتركٌ بين الذات والعالم، وليس مجرد استقبال سلبي للمعلومات))
إذن، نحن لا نعيش في عالمٍ منفصل، بل في عالمٍ ينعكس فينا عبر الآخرين. وإذا كان الفيلسوف بول ريكور يقول: ((لا توجد هوية دون سرد، ولا يوجد سرد دون آخر يتلقاه ويتفاعل معه)) فهذا يعني أن الإنسان لا يبني ذاته وحده، بل يبنيها في مرآة الآخرين، عبر لغة مشتركة، وتاريخ مشترك، وقيم مشتركة. وفي علم الدماغ تقف نظريات «التنظيم التنبّئي» و«العصبونات المرآتية» شاهدًا قويًا على هذه الحقيقة. فالدماغ يتعلم من خلال تقليد الآخرين قبل التفكير المستقل. ويشير عالم الأعصاب ماركو ياكوبوني إلى أن:
((العصبونات المرآتية تجعلنا قادرين على فهم الآخر من خلال محاكاته في دماغنا، قبل أن نفكر فيه)) وهذا يعني أن التفاعل ليس سلوكًا اجتماعيًا لاحقًا، بل بنية عصبية في أصل تكوين الدماغ.
وإذا انتقلنا إلى ميدان الأنثروبولوجيا نجد أن ليفي ستروس يقول بوضوح:
((الإنسان لا يفهم ذاته إلا من خلال البنى الاجتماعية التي ينتمي إليها))
فالعادات، الرموز، الطقوس، وحتى المشاعر… تُبنى داخل شبكة تفاعلية، لا داخل الذات الفردية.
ولعل أجمل ما قيل في هذا المعنى قول الفيلسوف مارتن بوبر في جملته الشهيرة: ((الإنسان لا يصبح أنا إلا عندما يقول أنت)) فالذات لا تتكوّن إلا في مرآة العلاقة مع الآخر.
وهكذا يتأكد أن الإنسان:
•لا يتعلم إلا بالتفاعل،
•لا يتكلم إلا بالتفاعل،
•لا يعي ذاته إلا بالتفاعل،
•لا يكتسب قيمه إلا بالتفاعل،
•ولا يبني عقله إلا عبر تفاعل طويل وفوري ومستمر مع العالم ومن فيه فالتعلم السائد في كل العالم هو تعلُّم لفظي معزول عن حركة الحياة فهو يعتمد على حفظ نصوص معزولة كليا عن الواقع الذي تتحدث عنه فيتجرع الدارسون هذه النصوص ثم تلفظها ذاكرتهم بعد أداء الامتحان وقد أدرك العالم حجم الضياع لكن لم يتفقوا على البديل لكن لابديل من دون التفاعل الحي مع مجالات التعلُّم فالإنسان يتكوّن:
بين اللغة والحياة،
بين الذات والآخر،
بين التجربة والتفسير،
بين التاريخ الفردي والتاريخ الجمعي. لهذا كله نقول — على يقين علمي وفلسفي معًا — إن:
الإنسان كائن تفاعليٌّ في جوهره
لا يكتمل إلا بالآخر،
ولا يفهم العالم إلا بالاشتراك مع العالم، ولا يصبح إنسانًا إلا في المساحة المشتركة التي تجمعه بمن حوله.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويقدّم عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية بالتأمل،…

خليل عبدالقادر Kalil Kader

في تلك السنوات وفي تلك المدينة” الحسكة” التي كانت تعيش على ضفاف الخابور كنت أسترزق من تعبي وبعرق جبيني. وكان لي ملف محترم عند فروع المخابرات” ماركسي يتعاطف مع الكرد. حاولت أكثر من مرة أن أبدّل هذا التصنيف، لكنني فشلت. كانت الأجهزة الأمنية أكثر تمسكاً بأفكارها عن الناس من الناس أنفسهم.
كان أصدقائي…

صبحي دقّوري

لم يكن رحيل إدغار موران خبرًا عابرًا في صحيفة، ولا تفصيلًا ثقافيًا يضاف إلى سجل الغياب الطويل. كان رحيله انطفاء مصباح فكري ظلّ، طوال قرن كامل، يضيء زوايا العالم المعتمة، لا بضوء اليقين المتعالي، بل بضوء السؤال، والشك، والربط، والإنصات العميق إلى تعقيد الإنسان والتاريخ والحياة.

رحل موران، لكن فكره لا يرحل. فبعض المفكرين يموتون…

إعداد وصياغة: ماهين شيخاني

حين يُستعاد تاريخ الشعوب، لا تُقاس عظمتها فقط بما شيدته من مدن أو خاضته من حروب، بل بما أبدعته من ثقافة وآداب وفنون حفظت ذاكرتها الجماعية عبر الزمن. والشعب الكوردي، رغم ما تعرض له من انقسامات سياسية وتحولات تاريخية قاسية، استطاع أن يبني إرثاً ثقافياً غنياً انتقل من الرواية الشفوية والأغنية الشعبية…