قصة: م.علي كوت
ترجمة عن الكردية: فواز عبدي
الازدحام شديد في سوق مدينة (م)، وكذلك مهنة العتالة.. يمتلئ السوق منذ الفجر وحتى وقت متأخر من المساء. يصعب التنقل من طرف السوق إلى طرفه الآخر على من لم يعتده.
لأن المدينة مبنية في الجبل فإن شوارعها ضيقة وكذلك أسواقها. ولكي يذهب المرء إلى دكان لشراء علبة سجائر، أو إلى مطعم لتناول بعض الطعام، أو إلى مقهى لشرب كأس شاي؛ عليه أن يقطع درجاً طويلاً عالياً إما صعوداً أو نزولاً.
هذا الصعود والنـزول هيّن إلى حد ما بالنسبة لشخص لا يحمل شيئاً.. ولكنه شديد الصعوبة بالنسبة لعتّال يحمل على ظهره حِملاً يزن ما بين 150 و 200 كيلو غرام.. لكن –وكما هو معروف- فإن البطن الخاوي لا يكترث للصعوبات.
كل يوم يتدحرج أحدهم مع حمولته على هذه الدرجات، أو يسقط تحت عجلات شاحنة، ومع ذلك يزداد عدد العتالين يوماً إثر آخر.
لا أدري سبب مجيئي ذلك اليوم إلى المدينة. خرجت من الفندق لشراء علبة سجائر. أثار انتباهي حشد الناس المتجمع أسفل الدرج الحجري، فتقدمت نحوهم.. كانوا مشغولين لدرجة أنهم لم يكترثوا بأصوات أبواق السيارات التي تعلو طالبةً المرور.
مع اقترابي من الحشد رأيت منظراً مرعباً؛ آه.. آه! أهذا ما يفعله الناس ببعضهم! عتالان أدمى كل منهما الآخر.. رسما بشناكلهما؛ تلك الخطاطيف الحديدية المعقوفة، أخاديد في وجهي بعضهما كالأخاديد في الأرض المحروثة تواً.. بضعة أشخاص كانوا يقومون بالتفريق بينهما وإبعادهما عن بعضهما. في تلك الأثناء ظهر شرطي وسأل:
ماذا هناك؟ ماذا حدث؟ لماذا تتخاصمان؟..
أخرج كل منهما منديلاً من جيبه وبدأ يمسح الدم عن وجهه، بدأ الأكبر سناً، الأشيب الشعر، بالكلام:
- يا بك، يا سيدي..
كاد يبكي، تكلم كمن لقي مهانة وذلاً:
- أنا رجل فقير، مسكين، أعيش بشرف وكرامة! لا أسمح لأحد بأن يسخر مني، أو يضحك عليّ.. كنت أحمل على كتفي 150 كيلو –وأشار إلى كيس مملوء- وكنت أصعد هذا الدرج…
هنا انخفض صوته، وتابع بنبرة إنسان خجول:
صدرت مني ريح! وهذا شيء طبيعي جداً، ولكن هذا –وأشار إلى العتال الآخر- بدلاً من أن يأتي لمساعدتي في رفع الحمل، وقف خلفي وبدأ يقهقه ويضحك عليّ. لو كنتم مكاني، ماذا كنتم ستفعلون؟
حين قال ذلك احمرّ وجه الشرطي ونظر حوله!
قال العتال الآخر بانفعال:
سأضحك. لا علاقة لأحد بضحكي. لم أنتبه للريح التي صدرت منك. رغبت في الضحك فضحكت، هذا كل ما في الأمر! هل الضحك ممنوع..؟ من يستطيع منع الضحك!.. وها إني سأضحك ثانية..!
بعدها صار يخرج أصواتاً غريبة من حنجرته.. (ها ها ها .. هي هي هي..) لكن تلك الأصوات كانت تبدو كأنين إنسان جريح أكثر منها إلى ضحك.. صدرت ضحكة من الحشد، لكن العتال الأشيب انزعج، التفت صوب الشرطي وقال بانكسار:
إنه .. ما يزال يضحك!
أمسك الشرطي الاثنين من ذراعهما وقال:
هيا معي! سنحل هذه القضية في مركز الشرطة..
* قصة “ضحك” من المجموعة القصصية “المحكوم” للكاتب م.علي كوت (ولأنني فقدت الكتاب لا أعرف تاريخ الطباعة ولا دار النشر، لكني حصلت على نسخة الكترونية صدرت عام 2002 عن موقع Nefel) والتي ترجمت معظم فصصها إلى العربية عام 2002، لكنني فقدتها أثناء تنقلاتي.. وعن طريق الصدفة عثرت على هذه القصة وثلاث من شقيقاتها.