ديار ملا أحمد
ما يحدث اليوم في كثيرٍ من حفلات نوروز الكردية لم يعد انزياحًا بريئًا في الذائقة، ولا تحوّلًا طبيعيًا في أنماط الغناء؛ بل هو بكل وضوح شكلٌ ناعم من اغتيال المعنى الموسيقي داخل واحدةٍ من أكثر المناسبات رمزية في الوجدان الكردي. نحن لا نشهد تطوّرًا، بل تفريغًا تدريجيًا لوظيفة الأغنية، حتى غدت المناسبة التي كانت يومًا تُغنّى بوصفها ذاكرة، تُستهلك اليوم بوصفها لحظة عابرة ..!
نوروز ليس حدثًا تقويميًا، ولا مهرجانًا ترفيهيًا، بل بنية رمزية كثيفة تتشابك فيها الأسطورة بالتاريخ، والنار بالهوية، والصوت بالفعل الجمعي .. إنه طقسٌ تُستعاد فيه الجماعة عبر الغناء، لا بوصفها جمهورًا، بل بوصفها كيانًا حيًا يُعيد إنتاج ذاته .. ومن هنا لم تكن الأغنية في نوروز يومًا خيارًا فنّيًا حرًا، بل ضرورة ثقافية تؤدي وظيفة محددة: تثبيت المعنى، واستدعاء الذاكرة، وبناء اللحظة الجماعية ..!
غير أن هذا كلّه يتآكل اليوم، بصمتٍ مريب.
الأغاني التي تُقدَّم في كثيرٍ من هذه الحفلات لم تعد تحمل أي انتماء حقيقي للمناسبة. إنها أغنيات حب، وعشق، وغرام، تُستدعى كما هي، دون إعادة تأويل، ودون أي محاولة لربطها بسياق نوروز .. يمكن نقلها إلى أي فضاء آخر دون أن يتغيّر معناها ، وهذا بحد ذاته دليلٌ كافٍ على أنها لا تنتمي إلى هذا الطقس أصلاً ..! وهنا لا يعود الأمر مجرّد سوء اختيار، بل يتحوّل إلى انفصال وظيفي كامل بين الصوت ومعناه ..
نحن أمام حالةٍ يُستبدل فيها “نشيد الهوية” بـ”أغنية الاستهلاك”.
أمام انتقالٍ حاد من النداء الجمعي إلى الانفعال الفردي.
ومن الذاكرة إلى النسيان المُنمّق .
موسيقيًا، هذا التحوّل ليس سطحيًا، بل بنيويًّا.
إن التحوّل الذي نرصده اليوم لا يمكن قراءته بوصفه تبدّلًا في الأذواق فقط، بل ينبغي تفكيكه بوصفه انقطاعًا في البنية السمعية ذاتها. فالأغنية المرتبطة بنوروز لم تكن تُبنى على اللحن بوصفه حاملًا للمتعة، بل بوصفه مسارًا زمنيًا للتوتر والانفراج ، حيث يتشكّل المعنى عبر التدرّج، لا عبر المباشرة .. كانت الجملة اللحنية تتحرّك ضمن اقتصادٍ دقيق بين الاستقرار والانزياح، بحيث تُبقي المستمع في حالة ترقّب، تُحاكي بدورها فكرة الانبعاث التي يُمثّلها نوروز .. أما اليوم، فإننا أمام جُمَل لحنية مُسطّحة ، تُقدّم ذروتها منذ اللحظة الأولى، وتفقد بذلك أي بُعد درامي أو زمني ، وكأن الأغنية لم تعد تُبنى لتُروى، بل لتُستهلك دفعةً واحدة ..! وهذا التحوّل من “الزمن الموسيقي” إلى “اللحظة الصوتية” هو أحد أخطر مظاهر فقدان الوظيفة داخل الأغنية المعاصرة .
على مستوى المقام، يتجلى هذا الانقطاع بوضوح، حيث اختفى التوتر الداخلي الذي كان يميز الأغاني المرتبطة بنوروز، ذلك التوتر الذي يعكس فكرة الانبعاث والصعود .. حلّت مكانه مقامات مستقرة، سهلة، تُنتج لذة فورية، لكنها خالية من أي مسار درامي حقا ..
لقد تخلّت الأغنية عن رحلتها الداخلية، واكتفت بالوصول السريع .
أما الإيقاع، فقد فقد بُعده الطقسي ، لم يعد يحاكي حركة الجماعة ، ولا يستدعي رقصها المرتبط بالأرض، بل أصبح إيقاعًا استهلاكيًا، يُناسب العرض أكثر مما يُناسب الانتماء. لقد تحوّل الجسد من مشاركٍ في الطقس إلى متلقٍ للفرجة ..
وفي النص، حدث الانهيار الأوضح:
اللغة التي كانت تُشير وتُلمّح وتُراكم المعنى، أصبحت تُصرّح وتُسطّح وتُختزل. لم تعد الكلمة تحمل طبقاتها، بل تُقدّم نفسها جاهزة، مغلقة، لا تحتمل التأويل. وهكذا، تفقد الأغنية قدرتها على البقاء، وتتحوّل إلى جملة تُستهلك ثم تُنسى.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو هذا التواطؤ غير المُعلن بين الفنان والمنظّم والذائقة السائدة.
الفنان الذي يقف على مسرح نوروز، ويغنّي أغنية لا علاقة لها بالمناسبة، لا يمكن تبرير فعله بذريعة “الجمهور يريد ذلك”فالفن، في أحد أدواره الأساسية، لا يتبع الذوق فقط، بل يُعيد تشكيله. وحين يتنازل الفنان عن هذه المسؤولية، فإنه لا يُرضي الجمهور، بل يُساهم في إفقار وعيه.
أما المنظّم، الذي يملأ البرنامج بأغانٍ جاهزة، فهو لا يدير حفلاً، بل يُفرغ حدثًا من مضمونه. لأنه يتعامل مع نوروز كـ”إطار”، لا كـ”معنى”.
وحتى الجمهور، الذي يُقال إنه يطلب هذا النوع من الأغاني، ليس خارج المعادلة .. لأن الذائقة، كما تؤكده دراسات علم الجمال الموسيقي، ليست معطىً ثابتًا، بل تُبنى عبر التكرار والتوجيه .. وما يُقدَّم باستمرار، يتحوّل إلى ما يُطلب ..
إن ما نعيشه اليوم ليس أزمة ذوق، بل أزمة وعي موسيقي.
أزمة في فهم وظيفة الأغنية داخل سياقها.
وأزمة في إدراك أن بعض المناسبات لا تحتمل الحياد.
نوروز، تحديدًا، ليس مساحة مفتوحة لأي غناء.
إنه فضاء مشروط، له منطقه الداخلي، وله صوته الخاص.
وحين يُنتزع هذا الصوت، لا يبقى من نوروز سوى شكله.
وهنا، لا بد من قولها بوضوح:
ما يحدث ليس “تجديدًا”، بل تفريغٌ مُمنهج للمعنى.
وليس “تنوّعًا” بل فقدان للبوصلة الجمالية.
إن استعادة نوروز لا تعني العودة إلى الماضي، بل استعادة الوظيفة.
أن تُكتب أغانٍ جديدة، نعم، لكن من داخل الروح نفسها.
أن تتطوّر الموسيقى، نعم، لكن دون أن تفقد سبب وجودها.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تقليد حيّ، ليس أن يتغيّر …
بل أن يُفرَّغ، ثم يُعاد تقديمه كأنه ما زال حيًّا ..
نوروز اليوم لا يُغتال بالصمت،بل بالصوت الذي لا يُشبهه.
إن أخطر ما في هذا التحوّل أنه لا يُعلن نفسه كفقدان، بل يتخفّى في صورة الفرح. يبدو كل شيء حيًا، صاخبًا، ممتلئًا بالأصوات، بينما المعنى في داخله يتآكل بصمت .. وهنا ، لا يعود السؤال عمّا نغنّيه في نوروز، بل عمّا تبقّى منه أصلًا .. فالمناسبات لا تموت حين تتوقّف، بل حين تستمرّ وهي خالية من معناها ..
ونوروز، حين يُختزل إلى أغنيةٍ لا تشبهه، لا يفقد صوته فقط بل يفقد سبب وجوده ..