هيثم حسين في مهرجان أوكسفورد الأدبي وحديث عن الأدب والترجمة والنشر

أوكسفورد – ضمن فعاليات مهرجان أوكسفورد الأدبي العالمي، احتضنت قاعة أورسل في باوسي هاوس يوم الخميس المصادف 26 مارس/ آذار الجاري جلسة أدبية تمحورت حول تجربة منشورات رامينا، ورحلة هيثم حسين في الكتابة والنشر، حيث جمع اللقاء بين الكاتب والناشر هيثم حسين والناقدة البريطانية سوزي فايي، التي عُرفت بمتابعاتها النقدية للأدب العالمي واهتمامها بتحولات السرد في السياقات العابرة للثقافات، وقد أدارت الحوار بمنهجية واضحة أتاحت الانتقال المتدرج من التجربة الشخصية إلى الأسئلة الثقافية الأوسع.

وانفتح النقاش على محاور تتصل بالكتابة وتجلياتها في سياق التحولات الفردية والجماعية، ودور الترجمة في نقل الأدب العربي والكردي إلى فضاءات لغوية أخرى، إلى جانب التحديات المرتبطة بالنشر المستقل، وإشكاليات وصول النصوص إلى القارئ ضمن بنية ثقافية دولية تتداخل فيها القيمة الأدبية مع شروط السوق.

جاءت هذه الجلسة ضمن برنامج متنوع لمهرجان أوكسفورد الأدبي العالمي، الذي استقطب هذا العام عدداً من الأسماء البارزة في الأدب والفكر والتاريخ والعلوم، من بينهم الروائي البريطاني مايكل موربورغو، والمؤرخ سايمون شاما، والمؤرخ العسكري أنتوني بيفور، إلى جانب الكاتب الكندي يان مارتل، والباحث في علوم الصحة والتغذية تيم سبكتور، والكاتب مايكل بولان، فضلاً عن حضور شخصيات سياسية وفكرية مثل جيريمي هانت وفينس كايبل وساجد جاويد، في جلسات تناولت قضايا تتصل بالأدب والتاريخ والسياسة والعلوم والمجتمع.

وفي هذا المشهد الذي يغلب عليه الطابع الأنغلو-أوروبي، برزت مشاركة هيثم حسين باعتبارها حضوراً نوعياً يفتح مساحة للأدب العربي والكردي داخل برنامج دولي واسع، ويطرح أسئلة تتصل بالكتابة والترجمة والنشر من داخل تجربة عملية، ما منح الجلسة بعداً يتجاوز التقديم التعريفي إلى نقاش يرتبط بموقع هذه الآداب في الخريطة الثقافية العالمية.

جاءت هذه الجلسة ضمن البرنامج المخصص للأدب والثقافة الإسلامية في المهرجان، وطرحت مجموعة من المحاور المرتبطة بموقع الأدب العربي في المشهد العالمي، والتحولات التي يشهدها على مستوى الموضوعات والأساليب، إلى جانب الدور المتزايد للترجمة في نقل هذه التجارب إلى قرّاء جدد، والتحديات التي تواجه هذا المسار في ظل بنية نشر دولية معقدة.

كما توقفت الجلسة عند تجربة النشر المستقل، وما تتيحه من إمكانات لتوسيع حضور النصوص العربية خارج نطاقها اللغوي، عبر مبادرات تسعى إلى بناء جسور بين الثقافات، والعمل على إدخال نصوص جديدة إلى الفضاء القرائي العالمي.

وفي هذا الإطار، اتجه النقاش إلى تفكيك العلاقة بين الكتابة والترجمة والنشر باعتبارها حلقات مترابطة في مسار واحد يبدأ من النص، ويمر عبر إعادة صياغته في لغة أخرى، وصولاً إلى القارئ، ضمن شروط تجمع بين القيمة الأدبية ومتطلبات السوق الثقافية الدولية، وهو ما منح الجلسة طابعاً تحليلياً يتجاوز التعريف، ويقارب المسألة من زاوية الخبرة العملية والرؤية الثقافية.

رحلة الكتابة والنشر

منذ البداية، اختارت سوزي فايي أن تفتتح الحوار بسؤال يتصل بالبدايات، فسألت عن مسار هيثم حسين في الكتابة، وكيف قاده هذا المسار إلى تأسيس مشروع نشر في بريطانيا. ظهر في طريقة طرحها حرص على بناء حوار متدرج، يبدأ من التجربة الشخصية، ثم ينتقل إلى الأسئلة الثقافية الأوسع. فايي، المعروفة بمتابعتها للأدب العالمي في صحيفة «فايننشال تايمز»، قدّمت نموذجاً لمحاورة تمتلك معرفة بالسياقات، وتدير النقاش بأسئلة واضحة ومركّزة، مع قدرة على إعادة توجيه الحديث نحو نقاط تحتاج إلى توضيح أو تعميق.

في إجابته، استعاد هيثم حسين بداياته في الكتابة، مشيراً إلى أن التجربة انطلقت من حاجة داخلية مرتبطة باللغة والذاكرة، ثم تطورت مع الزمن لتأخذ شكلاً أكثر وضوحاً في السرد الروائي. أشار إلى أن الكتابة جاءت في سياق تجربة شخصية معقدة، تتصل بالاقتلاع والتحولات، وأن هذه التجربة تركت أثرها في الموضوعات التي اشتغل عليها لاحقاً. ومع تطور تجربته، بدأ التفكير في مصير النصوص، وفي كيفية انتقالها إلى قراء خارج اللغة العربية، وهو ما فتح أمامه سؤال الترجمة، ثم سؤال النشر.

انتقل الحوار إلى الحديث عن الرواية، حيث جرى التوقف عند عدد من أعماله، مثل «رهائن الخطيئة» و«إبرة الرعب» و«عشبة ضارة في الفردوس» وغيرها، مع الإشارة إلى القضايا التي تناولتها هذه الأعمال. ركز النقاش على اشتغال هذه الروايات على موضوعات تتعلق بالذاكرة، والهوية، والعلاقة مع المكان، وعلى الطريقة التي يتحول فيها السرد إلى أداة لفهم التجربة الفردية ضمن سياق أوسع. كما جرى التوقف عند علاقة اللغة بالتجربة، وكيف تتغير هذه العلاقة حين ينتقل الكاتب للعيش في بيئة مختلفة، حيث تصبح الكتابة مرتبطة بإعادة بناء المعنى، وإعادة النظر في أدوات التعبير.

رهانات الترجمة وتحدّياتها

أشار هيثم حسين إلى أن الأدب العربي المعاصر يشهد تنوعاً واضحاً في الأصوات والتجارب، وأن هناك حضوراً متزايداً لكتّاب يكتبون عن الحياة اليومية، وعن التحولات الاجتماعية، وعن أسئلة الهوية والانتماء. كما لفت إلى دور الكاتبات والكتّاب الشباب في إدخال موضوعات جديدة وأساليب مختلفة، وإلى تجربة كتّاب المنفى الذين يكتبون من موقع يجمع بين ثقافتين ولغتين، ما يضيف طبقة جديدة إلى النصوص.

عند الانتقال إلى الأدب الخليجي، ركز الحديث على التغيرات السريعة التي يشهدها هذا الفضاء، وعلى انعكاس هذه التغيرات في الكتابة. أشار إلى أن النصوص الخليجية المعاصرة تشتغل على موضوعات تتعلق بالمدينة، والتحولات الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، وأنها تقدم سرديات تنطلق من واقع محلي، مع قدرة على التواصل مع قارئ من خلفية مختلفة. هذا الجانب كان محور اهتمام لدى الجمهور، الذي أبدى رغبة في التعرف أكثر إلى هذه الكتابة، وإلى كيفية وصولها إلى اللغة الإنكليزية.

شكّل محور الترجمة جزءاً أساسياً من الجلسة، حيث شدّد هيثم حسين على أن الترجمة تتطلب فهماً عميقاً للنص، وأنها تتجاوز نقل الكلمات إلى نقل المعنى والنبرة. أشار إلى أن أي نص يحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية للوصول إلى القارئ: كتابة قوية، ترجمة متقنة، ونشر احترافي. وأوضح أن غياب أي عنصر من هذه العناصر يؤثر بشكل مباشر على قدرة الكتاب على الانتشار.

في هذا الإطار، قدّم أمثلة على أعمال عربية وصلت إلى القارئ العالمي، مثل رواية «سيّدات القمر» للعمانية جوخة الحارثي بترجمة مارلين بوث، التي حصلت على جائزة البوكر الدولية سنة 2019، ورواية «فرانكشتاين في بغداد» للعراقي أحمد سعداوي بترجمة جوناثان رايت، التي وصلت إلى القائمة القصيرة 2018. هذه النماذج، كما أشار، تعكس إمكانية وصول الأدب العربي إلى جمهور واسع، عندما تتوفر شروط الترجمة الجيدة والنشر المهني.

انتقل النقاش بعد ذلك إلى التحديات التي تواجه الأدب العربي في الوصول إلى الأسواق العالمية، حيث أشار إلى وجود اختلال واضح في سوق الترجمة، من حيث حجم ما يُترجم من العربية مقارنة بلغات أخرى. أوضح أن عدد المترجمين المحترفين ما زال محدوداً، وأن قنوات التوزيع لا تزال تواجه صعوبات، إضافة إلى ضعف حضور الوكلاء الأدبيين في بعض السياقات. هذه العوامل تجعل عملية وصول الكتاب إلى القارئ أكثر تعقيداً، حتى عندما يكون النص متاحاً.

ضمن هذا السياق، شدّد هيثم حسين على دور المؤسسات في دعم مشاريع الترجمة، مشيراً إلى أن العمل الفردي لا يكفي لبناء حضور مستقر. وأشاد بما تقوم به مبادرة «ترجم» في السعودية، من خلال دعم المترجمين والناشرين، وتشجيع مشاريع جديدة. كما أشار إلى دور «مركز أبوظبي للغة العربية» في دعم النشر والترجمة، وإلى مبادرات ثقافية في دبي والشارقة تسهم في تطوير صناعة الكتاب.

وفي السياق الكردي، لفت إلى جهود منظمة «فيجن إيجيوكيشن» في دعم مشاريع الترجمة والتعليم، والعمل على تعزيز حضور الأدب الكرديّ في لغات أخرى.

رامينا جسر بين اللغات والثقافات

في الجزء المتعلق بالنشر، تركّز الحديث على تجربة منشورات رامينا، حيث قدّم هيثم حسين تصوراً واضحاً عن طبيعة هذا المشروع. أشار إلى أن الدار تعمل وفق فلسفة تقوم على اختيار نصوص تمتلك قدرة على التواصل مع القارئ الدولي، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية. عملية الاختيار، كما أوضح، تعتمد على قراءة دقيقة للنصوص، وعلى تقييم قدرتها على العبور إلى لغة أخرى دون فقدان جوهرها.

تحدث أيضاً عن التحديات اليومية في النشر والترجمة، مثل كلفة الترجمة، وصعوبة العثور على مترجمين يمتلكون خبرة كافية، والتعامل مع متطلبات السوق. كما أشار إلى أهمية بناء علاقة عمل مستمرة بين الكاتب والمترجم، لضمان جودة النص النهائي. في هذا السياق، بدا واضحاً أن المشروع يتعامل مع النشر كعملية طويلة الأمد، تتطلب صبراً واستمرارية، وتقوم على بناء شبكة علاقات مع ناشرين ومؤسسات ثقافية ومعارض كتب.

جرى التمييز أيضاً بين النشر التجاري الذي يركز على العائد السريع، وبين المشروع الثقافي الذي يعمل على المدى الطويل، ويهتم بتقديم نصوص ذات قيمة، حتى لو احتاجت وقتاً أطول للوصول إلى جمهورها. هذا التمييز كان محوراً مهماً في الحديث عن دور النشر المستقلة، التي تتيح مساحة لظهور أصوات جديدة، وتدعم مشاريع قد لا تجد طريقها بسهولة في دور النشر الكبرى.

في ختام الجلسة، فُتح المجال لأسئلة الجمهور، حيث تناولت المداخلات موضوعات متعددة، منها كيفية اختيار النصوص للترجمة، ودور المترجم في إعادة تشكيل النص، وإمكانية وصول الأدبين العربي  والكردي إلى القارئ الإنكليزي. أظهر الحضور اهتماماً واضحاً بالأدب العربي والكردي، وبالتجارب التي تكتب من موقع بين الثقافات واللغات، كما برزت أسئلة تتعلق بفرص الكتّاب الجدد في الوصول إلى دور نشر خارج العالم العربي.

قدّمت هذه الجلسة صورة متكاملة عن تجربة تجمع بين الكتابة والنشر، وتتعامل مع الترجمة كجزء من مسار أوسع يربط النص بالقارئ. من خلال هذا الطرح، بدا هيثم حسين ككاتب وناشر يعمل ضمن مشروع يسعى إلى توسيع حضور الأدب العربي والكردي في اللغة الإنكليزية، عبر أدوات مهنية، ورؤية تعتمد على التراكم والاستمرارية.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

محمد أشرف الحسيني

Zanyar Huseynî

في زمنٍ لم يكن فيه القانون أكثر من كلمة تُقال، ولم تكن الدولة حاضرة إلا في الخطابات الرسمية، كان للكرامة والشجاعة قيمتهما الحقيقية فوق كل حسابات المال.

في تلك القرية الصغيرة، الخشينية، حاولت عشيرة الجوالة العربية الاستقرار وفرض إرادتها على أهل القرية، فوقف والدي أمام التحدي بكل عزيمة وشجاعة.

حكمت المحكمة حينها بتغريم والدي…

علي شيخو برازي

 

كان للكُرد دور كبير في نشر التعاليم الإسلامية منذ دخولهم الإسلام, وقد استمر دورهم هذا في كل العصور بشكل واضح, وكان الكُرد قدوة في مجتمعهم في شتى المجالات العلوم, وهذا فخر للشعب الكردي الذي أنجب خيرة العلماء في كافة المجالات العلميّة والمعرفيّة.

الشيخ خالد النقشبندي هو: خالد بن أحمد بن حسين النقشبندي الكردي الشهرزوري،…

ديار ملا أحمد

ما يحدث اليوم في كثيرٍ من حفلات نوروز الكردية لم يعد انزياحًا بريئًا في الذائقة، ولا تحوّلًا طبيعيًا في أنماط الغناء؛ بل هو بكل وضوح شكلٌ ناعم من اغتيال المعنى الموسيقي داخل واحدةٍ من أكثر المناسبات رمزية في الوجدان الكردي. نحن لا نشهد تطوّرًا، بل تفريغًا تدريجيًا لوظيفة الأغنية، حتى غدت المناسبة التي…

(ناشرون فلسطينيون) يعد كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية” للناقد والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد، الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2020، علامة فارقة في المكتبة النقدية العربية المعاصرة؛ إذ لا يكتفي بتقديم قراءات في نصوص مختارة، بل يغوص في فلسفة الفعل الشعري ذاته، محاولاً فك الاشتباك بين الموهبة الفطرية والجهد الواعي، وبين النص المقدس…