ماهين شيخاني
في كوردستان، لا يُولد الأديب وفي يده قلم فقط، بل يولد وهو يحمل سؤالاً ثقيلاً:
كيف أكتب… وأنا لم أؤمّن خبزي بعد؟
ليست معاناة الأديب الكوردي رومانسية كما يتخيل البعض، وليست تلك الصورة الحالمة لشاعر يجلس تحت شجرة ويكتب عن الحب والحرية.
الحقيقة أكثر قسوة:
الأديب هنا يعيش بين جبهتين:
جبهة الحياة… وجبهة الكتابة.
الأديب الذي يعمل خارج حلمه
في الصباح، يذهب إلى عملٍ لا يشبهه…
وظيفة بعيدة عن روحه، عن لغته، عن أحلامه.
يعمل لا لأنه يريد، بل لأنه مضطر.
يحمل همّ الإيجار، وفواتير الكهرباء، ومصاريف عائلة تنتظر منه الحد الأدنى من الأمان.
وفي المساء…
يعود إلى ذاته المتعبة، يحاول أن يكتب، لكن الجوع لا يترك للخيال مساحة كافية.
حين يتحول القلم إلى عبء الكتابة، التي يفترض أن تكون خلاصاً، تصبح أحياناً عبئاً إضافياً.
كيف يكتب وهو يفكر:
كيف سأطبع هذا الكتاب؟
ومن سيقرأه؟
ومن سيدفع ثمنه؟
بل كيف يكتب، وقد يُضطر أحياناً أن ينشر في صحيفة لا تمثله، أو يكتب نصاً لا يشبهه، فقط لأنه بحاجة إلى المال؟
هنا، لا يُهزم الأديب فقط…
بل تُهزم الحقيقة أيضاً.
الجميع يربح… إلا الأديب
المفارقة المؤلمة أن الأديب الكوردي
يُغذّي مشهداً كاملاً من حوله:
الصحفي يجد مادة ينشرها
الإعلامي يجد محتوى يقدمه
الأحزاب تجد خطاباً تدعمه
المنصات تجد جمهوراً تتفاعل معه
أما هو…
فيبقى خارج دائرة الربح.
يكتب الجميع عنه، يستفيد الجميع منه، لكن لا أحد يسأل:
كيف يعيش هذا الكاتب؟
الكتابة في زمن الحاجة
في مجتمعات مستقرة، الأدب ترف فكري.
أما هنا…
فهو فعل مقاومة.
أن تكتب وأنت جائع، أن تكتب وأنت مهدد، أن تكتب وأنت مهمّش…
ذلك ليس إبداعاً فقط، بل بطولة صامتة.
السؤال الذي لا يُطرح
المشكلة ليست في الأديب، ولا في قلة موهبته، بل في البيئة التي لا ترى في الأدب ضرورة.
مجتمع يصفق للقصيدة، لكنه لا يشتري كتاباً.
مؤسسات تتحدث عن الثقافة، لكنها لا تستثمر فيها.
وسط هذا التناقض،
يبقى الأديب الكوردي معلقاً بين السماء والأرض:
يحلم عالياً…ويعيش بصعوبة.
ختاماً:
الأديب الكوردي لا يطلب امتيازات، بل يطلب فقط أن يعيش بكرامة ليكتب بصدق.
فحين نُنقذ الكاتب من الحاجة، نُنقذ الحقيقة من التزييف، ونُنقذ الوطن من الصمت.