1- في الحافلة

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت بهدوء: “ومن يستحق؟”
نظر إليّ، ثم ابتسم بسخرية.
لكن شيئاً ما تغيّر.
لم ينتهِ النقاش، لكنه لم يعد كما كان.
أدركت يومها أن الكلمات، حتى الصغيرة منها، يمكن أن توقف انحداراً كاملاً.

2- ” مكالمة التهديد “
رنّ الهاتف في وقت متأخر.
رقم مجهول.
ترددت قليلاً… ثم أجبت.
الصوت في الطرف الآخر كان بارداً.

“انتبه لنفسك.”
لا مقدمات. لا تفسير.
أغلقت الهاتف.
نظرت حولي… كل شيء كما هو.
لكن لم يعد شيء كما هو.
في تلك الليلة، لم أخف بقدر ما شعرت بشيء آخر…
أن الخوف نفسه أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

3- ” الصبية وهاتفها المعطوب “
كانت تقف بصمت، تمسك هاتفها كأنه شيء مكسور أكثر منها.
قالت بخجل: “هل يمكن إصلاحه؟”
لم يكن الهاتف فقط ما يحتاج إلى إصلاح.
كان في عينيها شيء هش.
حاولت أن أساعد… لا أعرف إن كنت نجحت.
لكنني عرفت أن بعض الأعطال لا تُصلح.
فقط… نتعلم كيف نتعايش معها.

4- ” جهاز التنفس “
جاءوا مسرعين.
الوقت يركض أسرع منهم.
“نحتاج جهاز تنفس… الآن!”
في تلك اللحظة، لم يكن هناك نظام… ولا تعليمات.
كان هناك إنسان… يحاول أن يبقى.
فعلنا ما استطعنا.
وبعدها… عاد الصمت.
ذلك الصمت الذي لا يشبه أي شيء.

5- ” خزان الماء وخطبة الجمعة “
وقف الخطيب يتحدث عن الصبر.
وفي الخارج، كان الناس يتشاجرون على الماء.
بين الكلمات والواقع، كانت هناك مسافة كبيرة.
مسافة لا تُردم بسهولة.
6- خفايا الدائرة
الأوراق تتراكم.
الوجوه تتغير.
لكن القصة نفسها.
طلب… توقيع… انتظار.
ثم همسٌ صغير: “يمكن أن تُحلّ الأمور… بطريقة أخرى.”
ابتسمت.
وفهمت كل شيء.

خاتمة
ليست هذه القصص عن وظيفة.
ولا عن دائرة حكومية.
إنها عن الإنسان… حين يُترك وحيداً في مواجهة الحياة.
عن التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد.
وعن أولئك الذين يمرّون بصمت…
لكنهم يحملون العالم فوق أكتافهم.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

النقل عن الكردية: إبراهيم محمود

” قبل أكثر من عقدين من الزمن كتبتُ عن الشاعر الكردي الكبير رشيد كرد” 1910-1968 “،في مقال الكتروني، منشور، حيث لم أعد أذكر المصدر، وفي كتابي” الصورة أكبر من إطارها: عن نورالدين زازا كُردي القول والفعل-سبيريز،دهوك،2023، هناك فقرة يتحدث فيها مفكرنا وكاتبنا الكردي الكبير والراحل زازا1919-1988 ” عن هذا الشاعر الكردي…

نصر محمد / ألمانيا

عامر فرسو خط مساره ونحت اسلوبه في الكتابة الأدبية بصبر وتأني وهدوء الحكماء فاتحا اشرعته على انسام الشرق والغرب ، منصتا بدهشة وعمق إلى نهر الحياة ، وحفيف الكون ملتزما بقضايا الإنسان آلاما وآمالا
عامر فرسو ذو ثقافة واسعة وجذور أدبية عميقة ؟ جعل من كلماته مرآة تعكس آلام وآمال الإنسان في هذا…

صبحي دقوري

أريد أن أتحدث عن كتاب لا يوفر قراءة سهلة للقارئ، ولا يطمئن أفكاره، بل يحركها من جذورها. بمجرد أن تفتح الكتاب، تشعر كأن شيئا قويا يجبرك على التفكير في أفكارك الأساسية، مثل المعرفة، واللغة، وطبيعة الإنسان.

هذا الكتاب هو “الكلمات والأشياء” لميشيل فوكو.

يجب علينا أولاً أن نتبين ما يقوم به فوكو في هذا الكتاب. فهو…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الإسكندرية مدينةً تُرى بالعَين وحدها، وإنما هي مدينة تُقْرَأ كما تُقْرَأ القصائد الكُبرى، وتُستعاد كما تُستعاد الذكريات العميقة، وتُعَاش كما يُعَاش الحُلْم الذي يرفض أن ينتهي. ومُنذ أن قامت على شاطئ البحر المتوسط، وهي تكتب تاريخَها بالحجارة والماء، وتغزل أسطورتها مِن ضوء البحر، ورائحة الملح، ونداء الموانئ،…