روهات آلاكوم: رشيدى كرد (بالكردية: رشيد) في يريفان (1966)*

النقل عن الكردية: إبراهيم محمود

” قبل أكثر من عقدين من الزمن كتبتُ عن الشاعر الكردي الكبير رشيد كرد” 1910-1968 “،في مقال الكتروني، منشور، حيث لم أعد أذكر المصدر، وفي كتابي” الصورة أكبر من إطارها: عن نورالدين زازا كُردي القول والفعل-سبيريز،دهوك،2023، هناك فقرة يتحدث فيها مفكرنا وكاتبنا الكردي الكبير والراحل زازا1919-1988 ” عن هذا الشاعر الكردي المناضل ورحّالة الجهات وكرديته بين جنبيه : في قلبه وعلى لسانه، صص163-166 ” مشيراً إلى قلة المعلومات عنه، في المساحات الجغرافية التي تنقل بين جهاتها، وما يأتي كاتبنا وباحثنا الكردي روهات آلاكوم” 1955 ” والمقيم في السويد” ينيرنا بمعلومات مفيدة وأعتقد أنها موثَّقة، ولهذا، نقلت مقاله القيّم هذا إلى العربية، من باب الاطلاع، محبةً لروحه الكردية الكونية وللمتبقّين من أفراد عائلته ولأحبَّته وأحبَّة الإنساني فيه. المترجم. ب. محمود “

17 آذار/  2022

أحد الكتاب الكرد ممَّن عانوا من مصاعب كثيرة جداً، من تعذيب وقمع وصعوبات طوال حياتهم هو رشيدى كرد(1910-1968). وكونه معروفاً أيضًا بنشاطه السياسي الكردي. اطلعتُ مؤخرًا على عدة مقالات وصور لرشيد كرد نُشرت في أرمينيا في بعض المصادر الكردية السوفيتية القديمة. ومن بين هذه المصادر، لفت انتباهي مقالٌ نُشر عام 1990 عن رشيدى كرد. كتب المقال عكَيدى خودو  Egîtê Xudo ، ونُشر أيضًا في صحيفة: الطريق الجديد ” Rêya Teze “. وعكيدى خودو، الصحفي والكاتب، هو شقيق المؤرخ شكرويى خودو.

في هذه المقالة، التي تتألف في الواقع من ذكرياته، يتحدث عكيدى خودو عن أيامه في يريفان مع رشيدى كرد عام ١٩٦٦”1″.

يُذكر اسمه في المقالة باسم “رشيدى كرد”. نفهم أن رشيد كرد قدم إلى يريفان ضيفًا على الحزب الشيوعي الأرمني، وأقام هناك لمدة أسبوعين تقريبًا. وخلال إقامته، يجري تكليف الحزب عكيدى خودو بمساعدته واستضافة رفاقه. يعود عكيدى خودو إلى تلك الأيام بعد ٢٤ عامًا، وينشر ذكرياته في مجلة “الطريق الجديد” عام ١٩٩٠”2″. وكما هو معلوم، بدأت فترة من الانفتاح وحرية التعبير في سياق عملية “إعادة الهيكلة” و”الانفتاح”.”3″.  والآن، صار في مقدور الجميع التعبير عن آرائهم بحرية. ويتضح هذا أيضًا في مقال عكيدى خودو عن هذا الكردي من كردستان. حيث يشير عكَيدى خودو إلى أن إقامة رشيدى كرد كانت سرّية، وقد كتب أنهما لم يتمكنا من مقابلة الكثير من الناس أو السفر إلى أماكن كثيرة. وتكشف قراءة متأنية لكتابات عكَيدى خودو عن آثار هذا الخوف والقلق بين السطور. على سبيل المثال، يمكن ملاحظة ذلك في لقاء رشيد وعكيد مع كردي يُدعى أحمد. وكما تظهر شكاوى وتظلمات مماثلة في رسالة أرسلها رشيدى كرد إلى عكَيدى خودو بعد عودتهما. وخلال إقامته في يريفان، التقى رشيدى كرد بمثقفين وكتاب وشخصيات كردية بارزة. وهناك بعض الصور التي شاركناها شاهدة على هذه اللقاءات.

 في إحدى الصور الملتقطة في مكتب صحيفة “الطريق الجديد”، يظهر مع رئيس تحرير الصحيفة، ميرويى أسد  Mîroyê Esed ، ومجموعة عاملين فيها. في ذلك الوقت، نُشرت قصيدتان للكاتب رشيدى كرد في عدد من “الطريق الجديد”: ” (أنا سعيد، ودرب الحرية)”. “4”.  وفوق القصيدتين، أرفقت الصحيفة الملاحظة التالية: “ننشر اليوم في صحيفتنا بعض قصائد الكاتب الكردي السوري التقدمي رشيدى كرد”. كما إن عكيدى خودو عنون مقاله المذكور أعلاه بـ”أنا سعيد، أنا سعيد، لأني بروليتاري”. ولكي يتعرف القراء على هذه الذكريات بأكملها، قمنا بنسخ مقالة Egîtê Xudo بأكملها إلى الأبجدية اللاتينية دون تغيير النص الكردي:

الجالسون من اليسار: مرويى أسد، رشيدى كرد، أوفيليا..، عكيد خودو، آركا سُرا سُولدان. الصف الخلفي من اليسار: تيتال مرادوف، كارليني تشاشان، ج.هاروتيونيان، قاشاق مراد، سفيتلانا بايلوز، علي عبد الرحمن وإميريكي سردار. “أنا سعيد، أنا سعيد، لأنني بروليتاري”.

وهذان البيتان يعودان إلى شاعر كردي سوري حل ضيفاً على جمهورية أرمينيا عام 1966 وكرس نفسه لحرية شعبه.

كان خريفًا، خريف أرمينيا البديع. كلفتني اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرمني باستضافة الشاعر الشيوعي الكردي لمدة أسبوعين. كانت مهمتي تعريفه بأرمينيا ومجتمعنا المقيم في مختلف مناطق جمهوريتنا…

من هو رشيدى كرد؟ كما ذكر في شعره، كان بروليتاريًا بحق. سُجن في السجون السورية لسنوات بسبب نضاله السياسي. وبحسب قوله، عاشت زوجته وأولاده في فقر مدقع. جاء إلى أرمينيا بناءً على طلب الحزب الشيوعي السوري. قال لي أيضًا: “لطالما رغبت في زيارة أرمينيا ورؤية أهلنا هنا”.

لا أعرف لماذا أُبْقيَتْ زيارة رشيدى كرد سريةً، ولماذا مُنعتُ من اصطحابه إلى الأماكن التي أختارها. كان برنامجنا اليومي مُعدًا مسبقًا، ولم يُسمح لنا بالخروج عنه. انبهر رشيد بجغرافيا جمهوريتنا وطبيعتها. كان يطرح الأسئلة، ويرغب في معرفة كل شيء، ولم يشبع من مشاهدة المعالم السياحية. كان رشيدى كرد رجلاً ذا بصيرة نافذة وسعة علم. كان يتحدث بلهجة كرمانجية جميلة وثريّة. ورغم كبر سنه (كان في الستين من عمره آنذاك)، كانت حركاته نابضة بالحيوية والنشاط. كان يتمتع بثقافة رفيعة، وكانت لغته تعكس شعبه ونضاله الدؤوب في العراق آنذاك. كان يطمح إلى لقاء المواطنين الكرد المقيمين في جمهوريتنا والتحدث معهم. كان رجلاً بسيطاً في طبعه، وكان مُلِماً بتاريخ شعبه وتقاليده وآدابه الشفوية إلماماً واسعاً. عندما كان يلتقي بالمثقفين الكُرد في يريفان، كان يُسهب في الحديث عن المشاكل التي تواجه نضال الشعب الكردي من أجل التحرر الوطني. عندما تحوّل الحديث إلى الدين، قال: “آه، هذا الدين… علينا أن نعرف أن الكُرد المتدينين حقًا والأطهار هم الإيزيديون. هم من يحمون قيمنا الوطنية النقية. لقد انفصلنا عنهم، وأُجبرنا على اعتناق الإسلام…”

وفقًا لجدولنا، كنا سنذهب يومًا ما إلى كاناكار، إلى منزل خجادور أبوفيان، الذي تحوّل إلى متحف. قبل الذهاب، أخبرتُ الأخ رشيد من يكون أبوفيان وماذا كتب عن مجتمعنا. كان لدى الجميع شغفٌ بمعرفة التفاصيل عن كل شيء. عندما أخبرته أن المفكر الأرمني خجادور أبوفيان له مؤلفات عديدة عن شعبنا وتقاليدنا وقيمنا، لم يستطع الانتظار وأراد رؤية متحفه في أقرب وقت. لسوء الحظ، لم يتحقق ذلك، لأنه عندما وصلنا، كان المتحف مغلقًا مؤقتًا بسبب أعمال الترميم في المبنى. أعدنا السيارة وطلبنا من السائق أن يأتي ليأخذنا بعد ساعة. سألته: “ماذا نفعل يا أخي رشيد؟” “ماذا سنفعل… أفضل ما يمكننا فعله هو التجول في كاناكار، ومشاهدة الجبال التي قضى فيها أبوفيان طفولته وشبابه…” صعدنا التل عبر أحد أزقة كاناكار الضيقة. رأيت رشيدى كرد يسرع فجأة، ويتجاوزني، وينادي على أحدهم:

“مهلاً، من فضلك توقف.” ظهر أمامنا فجأة رجل كردي يرتدي قبعة، واتجه نحو الأعلى. انتابني خوف شديد؛ من يكون هذا؟ ماذا سيقول له الأخ رشيد؟ لأنهم حذروني من التحدث إلى الغرباء وعدم الذهاب إلى أي مكان. توقف الرجل وانتظر حتى وصلنا إليه. سلم عليه رشيد وسأله:

– هل أنت كردي؟

– نعم، أجاب الرجل. ثم تبادلا التحية بالطريقة التقليدية. بعد ذلك، أمسك رشيد بذراع الرجل، وأجلسه على مقعد خشبي طويل أمام المنزل، وجلس بجانبه.

حدث كل هذا بسرعة كبيرة إلى درجة أنني لم أتمكن من معرفة من يكون هذا الرجل أو من أين هو.

سأل رشيد:

– ما اسمك يا ابن عمي؟

– اسمي أحمد، ولكن من أنت؟ معذرةً، لا أعرفك.

– اسمي رشيد، أنا من كردستان سوريا.

أخبرت أحمد من هو رشيدى كرد، مع الإشارة بحاجبيّ وعينيّ ويديّ لاختصار الحديث. تبادلا الأسئلة لبعض الوقت، ثم سأل رشيد فجأة:

– أخي أحمد، هل تعرف بارزاني؟

– وكيف لا أعرفه؟

تابع أحمد بفخر:

– إنه يقاتل مع جيشه لتحرير كردستان. – إذا لزم الأمر، هل ستذهب لمساعدته؟

لم أتوقع لا أنا ولا أحمد مثل هذا الأمر. فكّر أحمد لبرهة وهو ينظر في أعيننا. انتابني خوفٌ في قلبي؛ ماذا سيقول أحمد؟

– أخي رشيد، صحيحٌ أننا نختلف عنهم في الدين والمعتقد، ولكن كيف لي أن أقولها، نحن أبناء أبٍ واحد، واليوم هو يومُ صون شرفنا، في مثل هذه الأيام، سواءٌ أكان وجودنا أم لا، يجب أن نتكاتف.

عندها، لمعت عينا رشيد فخرًا وسعادة، وسأل أحمد مرةً أخرى:

– كيف حالكم يا كثرد هذا البلد؟ هل يضطهدكم أحد؟

– شكرًا لك يا أخي رشيد، الحمد لله أننا لا ينقصنا شيء، فمن ذا الذي يستطيع أن ينتقدنا؟ في هذا البلد، نحن جميعًا سواسية في كل شيء. “ليس لدينا حتى مراعٍ لقطعاننا… لقد احتل الأعداء (Roma Reş) أراضينا، ولم يتبقَّ لنا سوى مساحة ضئيلة…”

عند سماع كلمات أحمد، ضحك رشيدى كرد بصوت عالٍ من أعماق قلبه، ووضع ذراعه حول عنق أحمد وعانقه. لم نُدرك كيف مرّت ساعة كاملة من حديثنا، وفجأة لاحظنا توقف سيارتنا أمامنا.

خلال الوداع، دعانا أحمد أنا ورشيد إلى منزله عدة مرات. ومع ذلك، ورغم أن رشيد كان مُستمتعًا بحديث أحمد ويرغب بشدة في الذهاب، لم نتمكن من الذهاب إلى منزله لأسباب مفهومة. للأسف، لم تسنح لي الفرصة لسؤال والد أحمد عن اسمه في ذلك اليوم؛ فقد قال فقط إنه من قرية إيمو (زوفونيا حاليًا).

في اليوم السابق لموعد عودتنا، استقبلنا ج. أ. تير غازاريان، السكرتير الثاني للجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرميني. أعرب رشيدى كرد عن امتنانه العميق لأمين سر اللجنة المركزية على هذا الاستقبال الرفيع، وأطلعه على لقائه مع أحمد. وأعرب جورجي أرتاشيسوفيتش عن ارتياحه لأن الشكوى الوحيدة للمواطنين الكرد في الجمهورية كانت نقص المراعي الكافية لحيواناتهم…

من اليسار: رشيدى كرد وعكيدى خودو

 

قصيدتان لرشيدى كرد (الطريق الجديد، 27/10/1966)

 

“للأسف، لم أستطع قراءة القصيدتين المصورتين’ لعدم وضوح الخط فيهما، لهذا تركت الصورة كما هي. المترجم . ب. م”

بعد شهر من مغادرته، كتب لي رشيدى كرد رسالة من مدينة عامودا يعرب فيها عن استيائه الشديد لأنه ظن أنني موظف في منظمة تشيكا”5″ وأنني لم أخبره بالكثير من الحقائق خلال الأيام الأربعة عشر أو الخمسة عشر التي قضيناها معًا…

بعد عامين، علمنا بوفاته

عكيدى خودو، الطريق الجديد، 12-4-1990

* مترجم عن مقال روهات آكوم الكردي المنشور على حائط الجريدة.

(https://www.gazeteduvar.com.tr/reside-kurd-li-rewane-1966-haber-1556842)

===

1- في هذا المصدر، جرى تسجيل العام الذي عاش فيه رشيدى كردي في يريفان خطأً على أنه 1967: رشيد كرد، Karwan-Helbestên neçapkirî  (القافلة -القصائد غير المنشورة)، منشورات جمعية جين كردستان، ستوكهولم، 1991 (جرى إعدادها بمساعدة آمد وزين)، صفحة 17.

2-عكيدى خودو،سعيد أنا سعيد، لأنّي بروليتاري، الطريق الجديد ، 4-12/ 1990.

3- تم تطوير هذه المفاهيم بوساطة الطريق الجديد. تم استخدامه باسم “daçêkirin” (ما قبل الإضراب)” إعادة البناء: البيريسترويكا، الغلاسنوست: الشفافية  ”  في 1989-1991.

 4- رشيدى كرد، Bextîyarim (أنا سعيد)، Rêya Azadan (طريق الأحرار) (الطريق الجديد، 27/10/1966).

5- منظمة الاستخبارات التي تأسست في الاتحاد السوفييتي عام 1917.

Rohat Alakom : Reşîdê Kurd li Rewanê (1966)

 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

عامر فرسو خط مساره ونحت اسلوبه في الكتابة الأدبية بصبر وتأني وهدوء الحكماء فاتحا اشرعته على انسام الشرق والغرب ، منصتا بدهشة وعمق إلى نهر الحياة ، وحفيف الكون ملتزما بقضايا الإنسان آلاما وآمالا
عامر فرسو ذو ثقافة واسعة وجذور أدبية عميقة ؟ جعل من كلماته مرآة تعكس آلام وآمال الإنسان في هذا…

صبحي دقوري

أريد أن أتحدث عن كتاب لا يوفر قراءة سهلة للقارئ، ولا يطمئن أفكاره، بل يحركها من جذورها. بمجرد أن تفتح الكتاب، تشعر كأن شيئا قويا يجبرك على التفكير في أفكارك الأساسية، مثل المعرفة، واللغة، وطبيعة الإنسان.

هذا الكتاب هو “الكلمات والأشياء” لميشيل فوكو.

يجب علينا أولاً أن نتبين ما يقوم به فوكو في هذا الكتاب. فهو…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الإسكندرية مدينةً تُرى بالعَين وحدها، وإنما هي مدينة تُقْرَأ كما تُقْرَأ القصائد الكُبرى، وتُستعاد كما تُستعاد الذكريات العميقة، وتُعَاش كما يُعَاش الحُلْم الذي يرفض أن ينتهي. ومُنذ أن قامت على شاطئ البحر المتوسط، وهي تكتب تاريخَها بالحجارة والماء، وتغزل أسطورتها مِن ضوء البحر، ورائحة الملح، ونداء الموانئ،…

د. سرمد فوزي التايه (روائي وباحث فلسطيني)

عقب نشرنا للمقال الأول المُعنون بـ (اللسع الحامي للثرثرات المحببة لفراس حج محمد) بتاريخ 1/11/2025 والمتضمن ما تناوله الكاتب والشاعر والأديب فراس حج محمد في كتابه (الثرثرات المُحببة) والصادر عن دار الفاروق للثقافة والنشر في نابلس في العام 2024 بموضوعاته المتضاربة الاتجاهات، وثرثراته المُحببة وغير المُحببة، قلنا إنَّ كل…