نصر محمد / ألمانيا
لا تكتب نغوين موسى عن المرأة كقضية ، بل تكتبها كظاهرة جمالية و وجودية . في نصها القصير ” النساء ” الذي لا يتجاوز فقرات ، تنجح هذه الكاتبة والفنانة التشكيلية الكردية القادمة من عامودا والمقيمة في دمشق ، في قلب المعادلة : فبدل أن تدافع عن المرأة ضد عالم قاسٍ ، تجعل العالم القاسي نفسه هو المتهم لأنه بدونها مجرد تراب وماء وهواء .
النص ليس مقالاً ولا بياناً ، بل هو لقطة سينمائية ، لوحة تشكيلية كتبتها فنانة تعرف كيف يُصنع اللون .
النص :
النساء..
نسيت إخباركم :
كان رجال مملكتها في ذاك الزمان طيبون جداً ، وكانوا يستمعون للنساء بأفكارهن الصغيرة، والتافهة ، دون ملل . فالنساء كُنَّ فراشات الحياة بالنسبة لهم .
هل فكرت يوماً بالفارق :
مخلوق بزيٍ ملون ، وأساور تحيط بمعصميه ، وقدميه ، يلبس صندلاً جلدياً يظهر أصابع رقيقة ، أو ثخينة . لا يهم .! إنها أصابع امرأة بأظافر مطلية بلون وردي ، أزرق ، أخضر ، برتقالي ، أصفر ، أحمر نبيذي !
انتقل إلى أعلى الكاحل : لترى الخلاخل الفضية ، والذهبية أو القماشية . وفوقه ثوب ملون .. ثم وجه مطلي بعدة ألوان او بدون ! ثم شعر أسود ، أشقر ، أحمر . وابتسامة لطيفة . صوت حاد أو رخيم …
هل سيعيبك الجلوس والاستمتاع بكرنفال الألوان ذاك ؟؟ في ذاك الزمن القاحل حيث لا شئ في الجوار سوى التراب والماء والهواء !!
القراءة:
أولاً : بنية المفارقة الزمنية – استدعاء رجل كان موجوداً
تفتتح الكاتبة نصها بعبارة حكواتية بامتياز ” نسيت إخباركم “. هذه ليست بداية مقال ، بل بداية أسطورة تُروى على لسان جدة . تنقلنا فوراً إلى ” ذاك الزمان “.
وهنا تكمن المفارقة الأولى : هي لا تقول ” كان الرجال قساة ” بل تقول ” كان رجال مملكتها في ذاك الزمان طيبون جداً “. الطيبة هنا ليست ضعفاً ، بل هي ذروة الحضارة . أن يستمع الرجل لأفكار المرأة ” الصغيرة والتافهة دون ملل ” هو فعل حضاري راقٍ ، اعتراف بأن التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الحياة .
نغوين لا تمارس خطاب كراهية ضد الرجل ، بل تمارس خطاب حنين . هي تستدعي نموذجاً للرجولة كان موجوداً ويمكن أن يعود . الرجل الذي يرى النساء “فراشات الحياة” . والفراشة لا تُقيّد ، الفراشة تُشاهد وتُترك لتطير .
ثانياً : كرنفال الألوان كفعل مقاومة وجودية
هذا هو قلب النص وذروته الفنية . الكاتبة التي هي فنانة تشكيلية في الأصل ، لا تصف جسداً ، بل ترسم لوحة . وتفعل ذلك بحركة كاميرا تصاعدية مدروسة من الأسفل إلى الأعلى :
صندل جلدي -> أصابع مطلية -> خلاخل -> ثوب ملون -> وجه -> شعر -> ابتسامة -> صوت
هذا التدرج البصري يحول المرأة من كائن يُحاكم أخلاقياً إلى مشهد يُحتفى به جمالياً. هي لا تقول ” جسد امرأة ” بل تقول ” مخلوق بزي ملون “. والإغراق المتعمد في تعداد الألوان : وردي ، أزرق ، أخضر ، برتقالي ، أصفر ، أحمر نبيذي… هو إعلان بهجة في وجه عالم رمادي .
وتتوقف الكاميرا عند جملة عبقرية تقول كل شيء : “رقيقة ، أو ثخينة . لا يهم .!”
هذه الـ ” لا يهم ” التي وضعت بعدها علامة تعجب ، هي بيان نسوي كامل بحد ذاتها . خارج مقاييس الجمال المعلبة . كل الأصابع جميلة لأنها ببساطة ” أصابع امرأة “. الأنوثة هنا ليست قالباً يجب أن تنطبق عليه ، بل هي حالة وجود .
ثم تأتي الجملة المفتاحية التي تلخص فلسفة النص كله وتضعه في سياقه الكوني :
” في ذاك الزمن القاحل حيث لا شيء في الجوار سوى التراب والماء والهواء !!”
هنا نفهم كل شيء . في عالم مكون فقط من العناصر الأولية الخام ، التراب والماء والهواء ، الحياة مستحيلة بدون لون . المرأة ليست زينة على الحياة ، هي اللون نفسه الذي يجعل هذه العناصر قابلة للاحتمال. هي التي حولت القحط إلى كرنفال .
ثالثاً : اللغة – سينما الحس
لغة نغوين حسية ، بصرية ، طفولية في أحلى معانيها . إيقاع تعداد الأساور والألوان يشبه طفلة تعد حبات خرزها . وهذا مقصود تماماً ليتناسب مع استعارة “الفراشات” . لا يوجد في النص مفردة قاسية أو خطابية. كل شيء ناعم ، ملون ، يلمع .
النص مكتمل كـ ” لقطة ” روائية . لقطة تقول ببساطة موجعة : كيف تجرؤون على قتل الكرنفال ؟
الخاتمة
انتهى نص نغوين بسؤال أخلاقي وجمالي في آن واحد : ” هل سيعيبك الجلوس والاستمتاع بكرنفال الألوان ذاك ؟؟”
والجواب الذي تريد أن نسمعه هو: لا ، لن يعيبك . بل سيعيبك أن لا تجلس .
لقد وصل كرنفالك يا نغوين ، جلسنا واستمتعنا به كما طلبتِ . في زمن يصر على أن يكون قاحلاً ، يأتي نص كهذا ليذكرنا أن مقاومة القحط لا تكون دائماً بالصراخ ، أحياناً تكون بوضع طلاء أظافر أحمر نبيذي ، وارتداء خلخال فضي ، والمشي بصندل جلدي فوق التراب .







التعليقات (0)