زَرْدَشت أوزتورك
الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود
٣ نيسان ٢٠٢٥
” فجأة انقطع صوت الناي. بزغت الشمس من قمة جبل آكَري كسماء زرقاء. استعاد صوفي وعيه. نظر البعض إلى الحصان، والبعض الآخر إلى الباب. رفع الحصان رأسه ناظراً إلى صوفي بعينيه الواسعتين.
تسلل خوفٌ مجهول إلى قلب صوفي…”
من “أسطورة جبل آكَري Efsaneya Çîyayê Agirîyê”
في التسعينيات، في جامعة ستانبول، كنا نردد قصائد أحمد عارف كأناشيد مقدسة، ونقرأها بمحبة وفرح لا حدود لهما. نُشرت “فقدت ذكرياتي شوقاً إليك Qeydan Kevnkir Min Ji Hesrata Te” لاحقًا باللغة الكردية على يد فلات دِيلكَش Felat Dilgeş، وبعضها بمساعدتنا، أنا وزانا فارقيني. لكن لسوء الحظ، لم تُنشر إلا مرة واحدة. لعدم وجود قراء كُرْد، وتكبدت دار النشر خسائر. لكن لا تقلقوا، لقد حققنا هدفنا، فقد ترجمنا الكردية إلى: الطفل عادل ” Adiloş Bebe ” وجميع القصائد الأخرى.
كما أن غضبنا تجاه أحمد عارف قد خفّ قليلاً. نعم، ولكن عندما قرأنا تلك القصائد الفريدة،
غضبنا، وقلنا: “لماذا لم يكتب بالكردية؟…”
ربما تقولون: “هذا ليس عيبًا، فالعديد من الكتّاب في العالم يكتبون بلغات أجنبية أيضًا.” هذا صحيح.
على سبيل المثال، صموئيل بيكيت كاتب إنكليزي، لكنه كتب “في انتظار غودو Waiting for Godot ” بالفرنسية. والكاتب الروسي
نابوكوف، والبولندي جوزيف كونراد، والتركية خالدة أديب كتبوا بالإنكليزية. وهناك أمثلة كثيرة،
العديد من الكتّاب العرب يكتبون بالعبرية والإنكليزية. لا ينبغي أن يكون هناك خطأ في ذلك. الأدب العالمي مليء بهذه الأمثلة.
في الأدب والفن، قوة الخيال لا حدود لها، وأساليب الكتابة مختلفة.
لكن هناك اختلافات كثيرة بين هذه الأمثلة والكاتب الكردي. يوجد حوالي 200 دولة على وجه الأرض. يُتحدث في هذه البلدان ما بين ستة وسبعة آلاف لغة. ووفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة، فإن العديد منها مُعرّض للانقراض، ومن بينها للأسف لغة الزازاكية.
يتمتع كتّاب لغات مثل الفرنسية والإنكليزية والعربية والروسية بأوسع نطاق لغوي. فاليوم، يتحدث ملايين الأشخاص الإنكليزية والفرنسية والعربية والروسية، ولهم ملايين المؤلفات المكتوبة.
لغاتهم هي الأكثر حيويةً وتقدمًا وانتشارًا، ولذلك يُمكنهم اختيار عدم الكتابة بها. على سبيل المثال، عندما لا يكتب شخص إنكليزي بالإنكليزية، لا تتأثر الإنكليزية. لكن الكُرْد لا يملكون الفرصة نفسها.
اللغة هي نداء الحياة الأول، وأول كلمة حب هي طعم حليب الأم. هكذا كان رد فعلنا.
نقول إننا نرتوي من حليب أمهاتنا من أيدي شعرائنا وكتّابنا. قال جلادت علي بدرخان في العدد الأول من حوار: “اللغة هي الشرط الأول للوجود”. وللأسف، نحن محرومون من هذا الشرط. في أحد الأيام، ذهب ابن عمي يوكسل آبي إلى حاجيبوتي، ونزل ضيفًا على أحد سكان القرية المسنين. جلسا معًا، وتبادلا أطراف الحديث، وشربا الشاي القوي. تحدث الرجل العجوز عن الماضي، وعن العظماء، وقال متنهدًا: “ركب الطيبون خيولًا أصيلة ورحلوا”. استغرب يوكسل آبي، لأنه قرأ الجملة نفسها في رواية يشار كمال: جريمة في سوق الحدادين “Demirciler Çarşisi Cinayeti”. وكما هو معروف، فإن يشار كمال كردي، لكنه كاتب تركي. لم يسلم يشار كمال من غضبنا وردة فعلنا النابعة من حبنا للأدب الكردي. ولهذا السبب، حتى اليوم، لا يزال العديد من المثقفين والقراء ومحبي الأدب ينتقدون يشار كمال. وكما ذكرنا سابقًا، فقد حوّل الكاتب في بعض أعماله ثقافة وخصائص المجتمع الكردي إلى هوية تركية. لقد أثرى الأدب التركي بكلماتنا القديمة، وببعض ألوان وأصوات أمتنا، وبأجزاء من ثقافتنا وتقاليدنا.ليت هذا الثراء كان في خدمة الكردية. في مقابلة معه، يقول: “كنا نتحدث الكردية في المنزل. كانت العائلة تتحدث لهجة تركية مختلطة. لكن لم يكن أحد يتحدث معنا نحن الأطفال بالكردية. كنا نجيب بالتركية مهما قال لنا أي شخص. الآن أفهم ما يُقال بالكردية. أستطيع التحدث بجمل قصيرة. لكنني لا أستطيع سرد قصة، على سبيل المثال. وبالطبع، لا أستطيع الكتابة. لا أتذكر متى تعلمت التركية، ولا أتذكر متى فهمت الكردية”. كما صرّح لمجلة “كُولان”: “أصبحت كرديًا، وسأموت كرديًا”. في عام 1995، وجّهت إليه محكمة أمن الدولة تهمةً بسبب تقريرٍ قدّمه لمجلة “دير شبيغل” الألمانية. في المحكمة، قال: “لقد سلبتم لغتنا، وعندما تسلبون لغة أمة، فإنكم تقتلونها”. تتجلى الهوية الكردية في العديد من الأمثلة في اللغة الكردية. وفي الوقت نفسه، كانت تربطه علاقات ودية مع مثقفين وكتاب كرد مثل موسى عنتر. ويُقال إنه كان بمثابة الأب الروحي لروايات محمد أوزون، حيث هنأها ودعمها بحماس. وشجع محسن كيزيلكايا على ترجمة روايات محمد أوزون إلى اللغة الكردية. وفي جنازة محمد أوزون، قال: “أنا كردي، لكنني لست كاتبًا كرديًا. محمد هو الكاتب الكردي. لقد أدى عمله على أكمل وجه، ومهد الطريق للرواية الكردية”.
كان والده، صادق أفندي، من مدينة فان في إقليم إرديش. بعد فترة، هاجر إلى أضنة التابعة للإمبراطورية العثمانية بسبب الفقر والحاجة. وُلد يشار كمال في قرية في تلك المنطقة، ولم يكن في القرية أي منزل كردي آخر سواهم. يمكن القول إنه نشأ في بيئة غريبة. بعد مقتل والده على يد عائلته، عاش كمال مع والدته، نيكَار خانِم، وترعرع على قصصها. من الواضح أن تأثير قصص والدته ازداد بشكل كبير على يشار كمال، وربما بفضل هذه القصص، شعر بانتمائه إلى كردستان. ولأن عماته كنّ مهربات شهيرات في ذلك الوقت، فقد سمع الكثير من القصص عن التهريب. على سبيل المثال، أصبح المهرب ماهرو عمه الحقيقي، وانتشر اسمه وشهرته من كرمانجي وإيجما إلى تركمانستان. ويتجلى تأثير قصصهم في العديد من أعماله، مثل رواية محمد الناحل ” Ince Memed “. نعم، مع أن يشار كمال كتب بالتركية، إلا أنه نادرًا ما ذكر الكردية في معظم رواياته. في هذه المرحلة، يمكننا أن نمنحه مكانة مرموقة على رفوف المكتبات الكردية. وكذلك أحمد عارف. فكل سطر من قصائد أحمد عارف يجسد حياة الكرد وروحهم وهويتهم الكردية. لكن ليس كل كردي يكتب بالتركية هو يشار كمال أو أحمد عارف. لا شك أن القصائد والقصص والروايات التي كتبها أدباء كُرْد بالتركية تثري الأدب التركي. ورغم أن محتوى هذه الأعمال خاص بالمجتمع الكردي، إلا أنها لا تزال مثيرة للجدل، لأن اللغة أجنبية، والتعبير عن حالة المجتمع ليس كاللغة الأم. كما أن أعمال الأدباء الكُرْد لا تحظى إلا بمكانة هامشية في عالم الأدب التركي. وكما قال عزيز ياغان في النظرة الحرة Nêrîna Azad : “في الواقع، الكُرْد الذين يكتبون بالتركية هم فلاحو الأدب التركي، وهم الآن في منطقة رمادية”. يتابع الكاتب مقاله بالقول إنّ خبراء الأدب الأتراك لن يُخرجوا الكُتّاب الكُرْد من تلك المنطقة الرمادية ولن يضعوهم جنبًا إلى جنب مع كُتّابهم. لطالما وُجدت هذه الفجوات في الأوساط الأدبية والطلابية الكردية، ويبدو أنها ستزداد اتساعًا. لنعد إلى موضوعنا. عندما يقرأ المرء أعمال يشار كمال، يتخيل أنه لو كان حيًا اليوم وأتيحت له الفرصة، لكتب بالكردية. ففي العديد من مقابلاته وحواراته، عبّر عن شوقه ورغبته في الكتابة بالكردية. ولكن ما الذي ينبغي على الكُتّاب المعاصرين فعله اليوم؟ بالطبع، عليهم التركيز على لغتهم الأم. لا ينبغي أن يقلقوا من عدم قراءة كتاباتهم. حتى أولئك الذين لا يقرؤون أو يقرؤون قليلًا عليهم الإصرار على اللغة الكردية.
ينبغي على الطلاب أن يقرأوا بقدر ما يكتب الكُتّاب.
ولكن ليس الكتابة فقط؛ بل يجب أن تكون اللغة حاضرة في كل مجال من مجالات الحياة.
مصادر
1-أسطورة جبل آكَري، ليشار كمال منشورات YKY
بصدد هذه الرواية” أسطورة جبل آكَري ” ، عند دراستي المنشورة حول رواية محمد أوزون: يوم من أيام عفدال زينكي ” والمعنونة بـ: التاريخ الكردي من منظور الصوت: عبر رواية كردية، موقع الحوار المتمدن، 23-9/ 2006، توقفت عند رواية كمال هذه، والتي نشرت بالتركية وقرأتها في ترجمتها العربية حينها، مقارَنة إياها برواية أوزون المنشورة بالكردية، أشرتُ إلى أن حضور الكردية في رواية كمال، بزخمها النفسي والتخيلي، والإبداعي، أكثر بكثير، مما هو في رواية ” يوم من أيام…”. نعم. جميل أن يكتب أي منا بلغته، وألا ينسى لغته الأم، نعم، ثانية، ولكن يجب ألا يكون ذلك بمثابة دعوى أو مرافعة قضائية بتْرية، على طريقة: من يكتب بغير الكردية لا يُعَد كاتباً كردياً، وما في ذلك من رافعة إيديولوجية أو شعاراتية ، كما لاحظت، ولا زلت ألاحظ ذلك هنا وهناك، وناحية صلة المسطور بالجاري يومياً…” المترجم “.
2- يشار كمال فكر كردي وكاتب تركي/فيدان ب.ميرهانوغلو/بيانت
3- مشكلة الكتابة الكردية باللغة التركية/ك.سمبول/صفحة جديدة
Zerdûşt Öztürk: Di Nivîs û Ziman de Yaşar Kemal