قراءة في كتاب

قراءة في كتاب ديريك.. معراج حنين الروح

محمدأمين سعدون – ديريك.

صَدَرَ هذه الأيام كتابٌ جديد للكاتب، والإعلامي، والفنان التشكيلي المعروف، الـمُنْحَدِر من مدينة ديريك، الأستاذ القدير صبري يوسف، يحمل عنوان “ديريك.. معراج حنين الروح”. هذا الكتاب ليس مجرد مُؤَلَّفٍ يضم بين دفتيه مواضيع متنوعة فحسب، بل هو رسالة حب، ووفاء، وصبر وحلم بالعودة إلى الجذور والأصول، ومشاعر الطفولة المخبأة بين تلك الصفحات الصامتة التي بَعَثَ فيها الكاتب الحياة والروح من جديد.
يأخذنا الكاتب في هذا العمل، من خلال كلماته وأفكاره وآرائه، إلى عالم ذكريات ديريك، ويفتح أبواب ذاكرتها على مصراعيها؛ يَقْلِبُ تلك الصفحات واحدة تلو الأخرى، ويعبر من خلال الطرق والمسارات القديمة إلى أعماق المدينة؛ تلك المدينة التي تَعَلَّم فيها أبجديات الحياة، وحَمَلَ فيها ريشة الفن التشكيلي وقلم الأدب. ومن خلال هذه القراءة والعرض، نود أن نُسَلِّط الضوء على المضمون، والمعنى، والرسالة العميقة لهذا العمل القيّم والـمُبَارك.
إذا بدأنا من عنوان الكتاب وتَعَرَّفنا عليه، فقد يكون بمثابة العتبة الأولى التي يَلِجُ من خلالها القارئ إلى المضمون، ومنها يُصبح أبواب الدخول أكثر سلاسة وسهولة. (ديريك.. معراج حنين الروح)؛ يُظهر عنوان الكتاب معنى رحلة صعود وتسامٍ للشغف وحنين الروح المتجه نحو ديريك. يُحَرِّك الكاتب مشاعره الجياشة وحسرة روحه تجاه ديريك، ويُقَلِّب صفحات ذاكرته؛ فيتذكر كروم العنب وطرقاتها وينابيعها، أزقتها وحاراتها البدائية المتلاصقة، وجوامعها وكنائسها القديمة. هذه الأماكن التي لا تغيب أبداً عن خياله وأحلامه، تَنبض بالحياة مجدداً في هذا الكتاب.
وكتعبير عن الوفاء لمدينة ديريك، يسعى الكاتب من خلال هذا المؤلف إلى إبراز مِقدار فضل هذه المدينة الثمينة، ورَدِّ جُزءٍ من ذلك الجميل إليها. إنه يرى ديريك بمثابة “فردوس الطفولة” الذي فتح عينيه فيه، وشَرِبَ من ينابيعه الصافية ماء الحياة ومن هوائه النقي الأستمرارية والبقاء، حتى بَلَغَ هذه المراتب العليا من المعرفة، والأدب، والفن، والثقافة، والعلم.
لقد تَتَبَّع الكاتب في كتابه آثار الشَّخصيات الـمُؤثّرة، ومسيرتها، وأرشيف رجالات ديريك الفاعلين في مجتمعها؛ حيث خُصِّصَ الجزء الأكبر من الكتاب لحياة ونِضال ونِتاج المثقفين، الكتاب، الفنانين التشكيليين، الموسيقيين، المغنين، الأدباء، والشخصيات الاجتماعية في ديريك، إذ حَجَزت هذه الأسماء مكانها بين صفحات الكتاب، وجرى التعريف بأعمالهم والوقوف عندها.
وكما يتضح، فإن هذا الكتاب يَتخطى الحدود الشخصية ليُصبح بمثابة “موسوعة مصغرة” تَحتضن وتَحفظ أسماء، ونِتاج، وأعمال وأثر عددٍ كبير من المثقفين، الكتاب، الشعراء والفنانين، في المدينة؛ أولئك الذين عَكَسوا بنتاجاتهم وإبداعاتهم الأدبية والإنسانية لون وغنى التعددية الثقافية والتنوع اللغوي والديني والقومي في ديريك.
عندما يقرأ المرء هذا الكتاب، يَشعر برائحة الأرض وبدفء العلاقات واللقاءات الحميمية القديمة؛ تلك العلاقات والروابط الاجتماعية المتينة والمتماسكة، والثقة المتبادلة، والتسامح الديني، والعيش المشترك، والمجتمع المرن والبسيط. لقد رَسَم الكاتب بمهارته التشكيلية وبلغته الصحفية متعددة الأوجه لوحةً حية لديريك.
يُظهر هذا الكتاب أنه مهما ابتعد الإنسان عن وطنه ومنبع طفولته وبَلَغَ قِمم النجاح في الغربة، فإن روحه تظل أسيرةً ومتعلقة دائماً بالمكان الذي فتح فيه عينيه أول مرة، وتتوق إليه في كل حين. الكتاب هو بمثابة ملاذ وسكينة لروح الكاتب، ودعوة للعودة لكل مَن تَرَك قطيعةً من قلبه في ديريك.
إن غنى الشخصيات المذكورة في الكتاب وثرائها، يُثبت أن ديريك ليست مجرد مدينة جغرافية، بل هي مدرسة إنسانية وإبداعية كبرى، بَصَمَ فيها الكرد، السريان، الأرمن، وجميع المكونات الأخرى معاً في التاريخ، واغتنت ديريك وتنوعت بفضلهم.
هذا الكتاب هو تجسيد للوفاء، والحب، والذكريات الحية. يقدم الأستاذ صبري يوسف عبر هذا العمل التاريخ الحي والثقافة الغنية لديريك للأجيال الجديدة، وهي رسالة واضحة تقول: “نحن نتاج هذه الأرض، وما فننا وأدبنا إلا هدية متواضعة لرفعة ديريك وعظمتها وعلو شأنها”.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

حَقِيْبَةٌ مُعَدّةٌ لِلغِيَاب

عامر عثمان ” إيفان “ كَكُلّ الذين أَخَذُوا دَورَهُمْ أَمَامَ مَحَطة الوقُود أَخَذْتُ دَوري مِثْلَهُم مِنْهُمْ مَنْ هُو رَاجِلٌ مِثْلِي وَ مِنْهُمْ…