ذاكرة المكان بين إبراهيم نصر اللَّه وأورهان باموق

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

     لَيست الأمكنة مُجرَّد جُغرافيا صامتة، ولا هي حَيِّز مُحايد تتحرَّك فيه الشخصياتُ كَيفما اتَّفَق، إنَّها كائن حَي ، يتنفَّس الذاكرةَ ، ويتشكَّل بالزمن ، ويُعيد تشكيلَ الإنسانِ في الآن ذَاتِه .

     في أدبِ كُلٍّ مِن الروائي الفِلَسْطيني إبراهيم نصر اللَّه ( وُلد 1954 ) والروائي التُّركي أُورهان باموق ( وُلد 1952 ) ، تتحوَّل الأمكنةُ إلى ذاكرة نابضة ، تُحمَل فَوقها تجارب الفقد والمنفى والانتماء ، وتُصبح مَسرحًا تتقاطع فيه الذات الفردية مع التاريخ الجَمْعي .

     والكاتبان يشتغلان على المكان لا بوصفه خَلْفية للأحداث ، بَلْ باعتباره بطلًا خفيًّا ، وأحيانًا ظاهرًا ، يُوازي الإنسانَ في عُمق حُضوره وتأثيره . عِند إبراهيم نصر اللَّه ، المكان هو الذاكرة الفِلَسْطينية التي ترفض المَحْوَ،لَيْسَ أرضًا فَحَسْب، بَلْ أيضًا هو حكاية ممتدة عبر الأجيال، تتجسَّد في البُيوت ، والحُقولِ، وأسماءِ القُرى التي تظلُّ حَيَّةً رغم الاقتلاع . في مشروعه الروائي” المَلْهاة الفِلَسْطينية ” ، يتحوَّل المكان إلى سِجِل تاريخي بديل ، يُعيد كتابةَ ما تمَّ تهميشه أو طَمْسه . المُخيَّم _ على سبيل المثال _ لَيس فقط مكانًا مُؤقَّتًا ، بَلْ هو حالة وجودية ، وانتظارٌ دائم ، وذاكرةٌ مُعلَّقة بين ما كان وما ينبغي أن يكون . المكانُ هُنا لا يُستعاد بوصفه حنينًا ساذَجًا ، بَلْ بوصفه مُقاوَمة ، وإصرارًا على تثبيت الهُوية في مُواجهة التلاشي .

     لُغة نصر اللَّه في التعامل مع المكان مشحونة بالعاطفة ، لكنَّها دقيقة في التفاصيل ، كأنَّ كُلَّ حجر وكُلَّ شجرة تَحمل شهادةً . يَكتب المكانَ مِن الداخل ، مِن ذاكرة مَنْ عاشه أوْ وَرِثَه ، فيمنحه بُعْدًا إنسانيًّا يتجاوز الجُغرافيا. الأمكنةُ عِنده تُروَى كما تُروَى السِّيَر ، لها طُفولة وشيخوخة، لها جِرَاح ونُدوب ، ولها أيضًا قُدرة على البَعْث . ولهذا ، فإنَّ القارئ لا يَرى المكانَ فقط ، بَلْ يَشعر بِه ، كأنَّه يستعيد ذاكرةً شخصية ، حتى لَوْ لَمْ يَعِشْ تلك التجرِبة .

     في المُقابل ، يتعامل أُورهان باموق مع المكان بوصفه مِرْآةً للذات القَلِقة ، وفضاءً للتأمُّلِ في التحوُّلات الثقافية والهُوية المُتشظية . إسطنبول مدينته الأثيرة لَيست مُجرَّد مَوقع للأحداث ، بَلْ هي رُوح مُتغيِّرة ، تتنازعها الحداثة والتقليد ، الشرق والغرب ، الماضي الإمبراطوري والحاضر المُرتبك . في أعماله ، تتحوَّل المدينةُ إلى نَصٍّ مُوازٍ ، يُقْرَأ كما تُقْرَأ الشخصيات .

     باموق يشتغل على مفهوم ” الحُزْنِ الجَمَاعي ” المُرتبط بالمكان ، ذلك الإحساس الغامض بالخسارة الذي يُخيِّم على المدينة . هذا الحُزْنُ لَيس فرديًّا ، بَلْ هو ذاكرةٌ مُشترَكة ، تتجسَّد في العِمَارة المُتداعية ، والضَّباب ، والأزقةِ التي تَحمل آثار مجدٍ غابر . المكانُ عِنده لَيس ثابتًا ، بَلْ يَتغيَّر مع نظرةِ السارد ، وَوَعْيِه بذاته ، إنَّه فضاء للتساؤل أكثر مِنْه فضاء للإجابة .

     أُسلوبُ باموق يَتَّسم بالتأمُّل والبُطء ، حيث يَمنح المكانَ وقتًا كافيًا ليكشف عن طبقاته . التفاصيلُ عِنده لَيست فقط وَصْفية،بَلْ تحليلية، تُحاول فهمَ العلاقة المُعقَّدة بَين الإنسانِ ومُحيطه. ويُصبح المكانُ وسيلةً لفهمِ الهُوية ، ولَيس خلفيةً لها فَقَط. والشخصياتُ تُعيد اكتشافَ نَفْسِها عَبر علاقتها بالمكان ، سواءٌ بالانتماء إلَيْه ، أو بالاغتراب عَنْه .

     إذا كانَ نصر اللَّه يكتب المكانَ باعتباره ذاكرةَ مُقاوَمةٍ ، فإنَّ باموق يكتبه باعتباره ذاكرةَ تأمُّلٍ . الأوَّلُ يَستحضر المكانَ لِيَحْمِيَه مِن النِّسيان،والثاني يَستحضره ليطرح أسئلةً حَول مَعناه.ومعَ ذلك، يلتقي الكاتبان في نقطة جَوهرية : المكان لا يُفْهَم إلا عَبْر الإنسان ، والإنسانُ لا يُفْهَم إلا عَبْر المكان . كِلاهما يُدرِك أنَّ فِقْدان المكان لَيس مُجرَّد فِقْدان جُغرافي ، بَلْ هو اهتزاز في الهُوية ، لكنَّ رَدَّ الفِعْل يختلف . عِند نصر اللَّه ، يتحوَّل هذا الفقدُ إلى فِعْل سَرْدي يُعيد بناءَ المكانِ في اللغة ، بَينما عِند باموق ، يُصبح الفقدُ مادَّةً للتأمُّل في معنى الانتماء ذَاتِه . الأوَّلُ يُقَاوم النِّسيانَ ، والثاني يُفَكِّكه .

     تُقَدِّم تَجرِبةُ إبراهيم نصر اللَّه وأُورهان باموق درسًا عميقًا في فهمِ الأدبِ بوصفه حافظةً للذاكرة . فالأمكنةُ في نُصوصهما لَيست مُجرَّد مَواقع ، بَلْ هي كائنات تَحمل الزمنَ ، وتَكشف عن الإنسان في أعمق حالاته . وَمِنْ خِلال هذا الاشتغال الدقيق على المكان ، يتحوَّل الأدبُ إلى جسر بين الماضي والحاضر، وبَين الذاتِ والعَالَم ، وبَين ما كان ومَا يُمكن أن يَكُون .

     إنَّ ذاكرة المكان _ كَما تتجلَّى عِند هَذَيْن الكاتبَيْن _ لَيستْ مَوضوعًا أدبيًّا فَحَسْب ، بَلْ هي فِعْل وجودي ، يُعيد تعريفَ علاقةَ الإنسانِ بالعَالَم ، والإنسانُ يُعيد اكتشافَ أمكنته ، ويُسائل ذاكرته الخاصَّة ، ويُدرِك أنَّ المكان في جَوهره ، لَيْسَ مَا يَراه ، بَلْ ما يَحْمله في داخله .

     ويَظهر المكانُ ككائن حَي يَتنفَّس عَبْر السَّرْد ، ولَيْسَ إطارًا جامدًا للأحداث . ويَحمل المكانُ طبقات مِن الذاكرة الفَرْدية والجَمْعية ، ويَتجسَّد بوصفه مُقَاوَمَةً للنِّسيان ، حَيث تَتحوَّل الجُغرافيا إلى هُوية ، والبَيْتُ إلى سَرْديةِ وَطَنٍ ، والحَنينُ إلى فِعْلِ بقاءٍ . ويَنفتح المكانُ على تأمُّلاتِ الذات ، ويَتحوَّل إلى مِرْآةٍ للقلقِ الوجودي ، حيث تتداخل المَدينةُ معَ الذاكرة ، لِتُنْتِجَ شُعورًا مُرَكَّبًا بالانتماءِ والاغترابِ في آنٍ معًا . وفي هذا تأكيدٌ واضحٌ على أنَّ المكانَ لَيس مَسرحًا للأحداث فقط ، بَلْ هُوَ شريكٌ في تشكيل الوَعْي واللغةِ والتاريخ . واستعادةُ المكان لَيستْ عودةً إلى الماضي فَحَسْب ، بَلْ هي إعادة كتابة له ، ومُساءلة دائمة لمعنى الحُضورِ والغِياب .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…