الأدب في زمن الخوف.. قصة “رسالة” [1] نموذجاً

فواز عبدي

شهدت تركيا بعد انقلاب عام 1980 العسكري واحدة من أقسى الفترات في تاريخها الحديث. فقد فرضت حالة طوارئ طويلة، وانتشرت عمليات الاعتقال والتعذيب والمداهمات الليلية، وصارت الحياة اليومية، وبشكل خاص في مناطق كردستان، محكومة بالخوف والرقابة الشديدة؛ حيث كل زاوية تنبض بالرهبة: خوف من زيارة صديق، من الاحتفاظ بكتاب، من كلمة تقال في مقهى، من الاستماع إلى أغنية كردية خلف الأبواب المغلقة، من رسالة تصل إلى البيت…..الخ

في مثل هذا المناخ لا يعود الكلام فعلاً بريئاً و لا الصمت خلاصاً كاملاً..

وفي هذا السياق تأتي قصة “رسالة / Reşbelek” التي تكشف عبر ثلاث مراسلات قصيرة حجمَ العنف الذي يمكن أن تحدثه ورقة واحدة تحمل كلمات أخٍ إلى أخيه.  ثلاث رسائل عائلية قصيرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تنفتح على طبقات عميقة من الخوف والحنين والذنب وانهيار الروابط تحت وطأة القمع السياسي.

تبدأ القصة برسالة من عبدالله -الأخ الذي بقي في الوطن- وهي رسالة مشبعة بالقلق والعتاب. يكتب:

“أرسلت لك عشر رسائل وها هي الرسالة الحادية عشرة….. دموع أمي لا تفارق عينيها!…”

” أرجوك يا أخي.. كلمة منك تطفئ نار صدورنا. … ألا نخطر على بالك! إنك تقتلنا! …”

هذه اللغة المباشرة المفعمة بالانفعال تكشف عن عائلة معلقة على كلمة واحدة من الغائب؛ أم تبكي وأب يوبّخ وابن يركض بين البريد والمقهى.

الرسالة هنا محاولة يائسة لإثبات أن الأخ ما يزال حيّاً وليس مجرد تواصل. وحتى التفاصيل اليومية الصغيرة –ككتابة الرسالة في مقهى أومريان، أو جلوس صديقين يلعبان الورق- ما هي إلا محاولات لتثبيت الحياة في وجه الغياب.

في الرسالة الثانية، والتي جاءت ردّاً من الأخ المنفي، تظهر طبقة جديدة من القلق: الخوف من أن تشكل الرسالة نفسها خطراً على العائلة، يقول:

“ما كنت أرغب في أن أبعث إليكم بأية رسالة. أي ما كنت أريد أن أسبب لكم أي خطر بسبب رسالة مني. …. ولولا إصراركم لما أرسلت حتى هذه …”.

ورغم هذا الحذر يظل الحنين طاغياً، يظل قلبه معلقاً هناك، حيث ولد وحيث العائلة:

” أخي الغالي! تقول في رسالتك: “ألا نخطر على بالك” ومتى فارقتم بالي؟! إنكم دوماً معي، في خيالي، في أحلامي…. “

نلاحظ هنا أن المنفى يتحول إلى مسؤولية أخلاقية؛ المنفي يعيش مفارقة قاسية: إن كتب لهم عرَّضهم للخطر، وإن صمت تركهم فريسة للقلق.

 إذنْ فالحب = خطر، والصمت = حماية.

إنه يحب عائلته، لكنه يدرك أن هذا الحب نفسه قد يدمرهم، لذلك يصبح الصمت شكلاً من أشكال الحماية، وكل محاولة للطمأنة تصبح باباً من أبواب المداهمة. وبهذا المعنى يتحول المنفى إلى امتحان صعب صامت:  كيف تحب من بعيد دون أن تحرق من تحبهم!

في الرسالة الثالثة تظهر ذروة القصة، ذروة الألم حين ينفجر الحدث السياسي داخل البيت/العائلة. يكتب عبدالله:

” في عز الظهيرة توقفت سيارة جيمس محملة بالشرطة والعسكر أمام دارنا وبيدهم رسالتك.. فتشوا الدار كله حتى معلف الماشية… أخذوا معهم والدي وأخويّ كَزَبو وفخر الدين .. ظلوا يعذبونهم أسبوعاً كاملاً.”

يومها هرب عبدالله إلى إزمير حين سمع خبر المداهمة، وكتب رسالته هذه من هناك: “مضى قرابة شهرين ولازلت ملاحقاً هنا….  مازال أبي طريح الفراش يتقيأ دماً..”

ثم تأتي الجملة الأكثر قسوة، تقطر وجعاً ما بعده وجع: “باختصار، ما فعلته رسالتك بنا لم يفعله العدو بعدوّه!”.

هنا تتبدل لهجة عبدالله من رجاء إلى اتهام، ومن حنين إلى غضب. إنها لحظة انهيار الرابط الأخوي تحت ضغط الدولة نتيجة ممارساتها القمعية.

ومن أهم الإشارات السردية في هذه الرسالة أن عبد الله يوقع باسمه فقط “عبدالله” بعد أن كان يوقع الرسائل الأخرى بــ “أخوك عبدالله”.

هذا الحذف ليس صدفة، بل دلالة دقيقة على تحول عميق في العلاقة. التوقيع الذي كان يؤكد الأخوّة يتحول إلى صمت جارح، كدلالة على أن الجرح تجاوز قدرة اللغة على الترميم.

القصة تبنى من الرسائل، أي من الغياب أكثر منها من الحضور. فالحدث يروى من خلال ما يُكتَب وما يخفى وما يصل متأخراً وما لا يصل أبداً.

لهذا تترك القصة قارئها في منتصف الجرح، تماماً كما تركت عبدالله وأخاه في منتصف المسافة بين الحنين والخوف. والرسائل الثلاثة إلى جانب كونها وثائق شخصية، هي شظايا من زمن كان الكلام فيه مخاطرة ما بعدها مخاطرة، وكانت الورقة الصغيرة قادرة على أن تهزّ أركان بيت كامل.

“رسالة” لا تغلق بابها، بل تتركه موارباً: يطل على زمن الخوف وعلى هشاشة البشر، على المسافة التي لا تقاس بالكيلومترات ولا بالكلمات، وإنما بما يتركه الغياب في القلب من أثر؛ حيث لا يكون الكلام دائماً نجاةً و لا الصمت دائماً حماية، فيبقى كل منهما احتمالاً للألم.

 

[1] رسالة قصة للكاتب م.علي كوت من مجموعته “المحكوم”. النسخة الألكترونية الصادرة عن موقع NEFEL عام  2002

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…