الأسطورة الحية: شفان برور

أكرم محمد
لطالما كان الفن الملتزم هو الحصن المنيع الذي تحتمي به الشعوب المناضلة للحفاظ على كينونتها الثقافية ووجودها التاريخي في مواجهة حملات الإنكار والصهر المنهجية. وحينما تصبح الكلمة المغناة واللحن الصادق سلاحاً لمقاومة المحو، فإن الموسيقى تتجاوز حيز الترفيه لتتحول إلى وثيقة نضالية حية تحفظ ذاكرة الأمة وتصون لغتها الأم عبر الأجيال. وفي تاريخنا المعاصر، تجسدت هذه الرسالة السامية بأبهى صورها في مسيرة فنان استثنائي جعل من صوته الجبلي الهادر وأوتار طنبوره العريق منبراً لآمال وآلام شعبه؛ وهو الفنان الكردي الكبير شفان برور، الذي ولد باسمه الحقيقي إسماعيل أيغون في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1955 في قرية ساريدام التابعة لمنطقة سويرك بمحافظة شانلي أورفة بجنوب شرق تركيا
نشأ في بيئة جغرافية واجتماعية قاسية طُبعت بالصراعات العشائرية والسياسية، وتعود الجذور الأعمق لعائلته الفلاحية إلى بلدة ميديات في محافظة ماردين التاريخية عاشت عائلته البسيطة على الفلاحة ورعي الأغنام، وهي الحرفة التي صقلت روحه وجعلته يقضي طفولته متأملاً في براري وجبال كوردستان. ألهمته هذه الحرفة اسمه الفني المركب شفان وتعني باللغة الكردية الراعي وأُلحقت بها كلمة برور التي تعني الحامي أو المدافع، ليكون اللقب ترجمة حرفية لرسالته. في المضافات القروية التي كان والده يونس يصطحبانه إليها، تشرب شفان الفنون الشفاهية الكردية من خلال سهرات الشتاء وحكايات مغنو الدنكبيج التقليديون. بنى ذلك في وعيه مخزوناً لغوياً وفلكلورياً هائلاً قبل أن يتعلم الحروف، وبرزت موهبته الصوتية في سن مبكرة حيث كان يغني سراً وجهراً لأهل قريته بحنجرة قوية.
تطورت موهبته مع انتقاله لمتابعة دراسته الجامعية في أنقرة لتخصص العلوم الرياضية في أوائل السبعينيات، وهناك اصطدم بالوعي الفكري والتيارات الكردية الصاعدة. في عام 1972 شارك بجرأة في تظاهرات طلابية وأدى أغاني وطنية حماسية باللغة الكردية التي كانت محظورة تماماً بموجب القوانين التركية الصارمة، مما زلزل أروقة الجامعة. لفت ذلك أنظار أجهزة الأمن التركية إليه، وصدرت بحقه مذكرات توقيف بتهمة الترويج للانفصال، لتتحول حياته إلى سلسلة من الاختباء والمطاردة المستمرة تحت وطأة التهديد الأمني، اتخذ شفان في عام 1976 قراراً مصيرياً بالفرار سراً عبر طرق جبلية وعرة وتوجه إلى أوروبا، مستقرّاً في ألمانيا الغربية لتبدأ رحلة منفى مريرة لـ 37 عاماً
أصدر من المغترب عام 1976 ألبومه الرسمي الأول بعنوان رقصة طالبي الحرية، والذي شكل بياناً ثورياً معلناً ولادة حركة الأغنية الكردية الملتزمة في أوروبا تحول نتاجه الموسيقي المسجل في ألمانيا والسويد إلى وقود روحي وفكري للحركة القومية الكردية، وظهرت في تلك المرحلة ظاهرة تاريخية عُرفت بعصر الكاسيت السري. فرضت الحكومات حظراً مطلقاً على ألبوماته، واعتبرت القوانين العثور على شريط كاسيت لشفان برور بمثابة جريمة أمن دولة تقود صاحبها فوراً إلى المعتقلات وأقبية التعذيب ورغم هذا الإرهاب، نشأت شبكات توزيع سرية شجاعة تحت الأرض يقودها ناشطون، كانوا يهربون الأشرطة الأصلية عبر الجبال والحدود ليُعاد نسخها بمئات الآلاف داخل غرف مظلمة.
تداولتها العائلات سراً مثل المنشورات المحرمة، يدفنونها في التراب أو يخفونها داخل الوسائد، وبفضل هذا الفداء اخترق صوت شفان جدار الحظر ودخل كل بيت كردي ليحمي الهوية من المحو. خلال سنوات المنفى الأولى، ارتبط عاطفياً وفنياً بالفنانة كلستان برور، وتزوجا ليشكلا ثنائياً فنياً تاريخياً ألهب حماس الجاليات الكردية، ورُزقا بابنهما الوحيد سربست تكمن عبقرية شفان في كونه لم يكتفِ بنقل الفلكلور بصورته الجامدة، بل أحدث ثورة أنثروبولوجية في أسلوب الدنكبيج، وهو الغناء الملحمي الوثائقي الشفاهي الذي يعتمد على السرد دون آلات
أدخل على هذا النمط التوزيعات الغربية والآلات الأوركسترالية مثل البيانو والجيتار والكمان، ممتزجة بعزفه الماهر على آلة الطنبور الكردية التقليدية، مما نقل الموسيقى لمصاف الفنون العالمية شمل تجديده المضامين الفكرية من خلال تلحين أمهات القصائد، وفي مقدمتهم الشاعر القومي جكرخوين الذي لحن له ملحمته الخالدة من نحن، والشاعر الفيلسوف أحمد خاني صاحب ملحمة مم وزين. عقب الجريمة البشعة التي تعرضت لها مدينة حلبجة عام 1988 بالقصف الكيماوي، سارع شفان في مغتربه إلى إصدار ألبوم حلبجة، وجسد فيه بصوت يبكي ويزأر تفاصيل الهجوم وصمت المجتمع الدولي.
تميزت فلسفته بانفتاحها الإنساني، إذ آمن بحرية كل الشعوب المضطهدة، ومن أبرز تجلياتها الأغنية الثنائية الشهيرة السلام والحرية التي قدمها بالاشتراك مع فنان الثورة السورية سميح شقير شهدت مسيرته المنعطف الأبرز في 16 نوفمبر 2013، عندما عاد إلى ديار الوطن لأول مرة بعد 37 عاماً من النفي، تلبية لدعوة رسمية للمشاركة في تجمع جماهيري حاشد في مدينة ديار بكر على المنصة، التقى بالعملاق التركي ذو الأصول الكردية إبراهيم تاتليسس، وكان اللقاء محملاً بالرموز بين تاتليسس الذي نال النجومية بالتركية، وشفان الذي اختار النفي لأجل لغته الأم
انهمرت دموع النجمين على المسرح وتعانقا طويلاً وأديا معاً أغنية ثنائية تدعو للسلام وإنهاء بحور الدم، ورغم بعض الانتقادات السياسية، إلا أنها بقيت محفورة كإحدى أهم محطات القرن الحالي. مع تقدمه في العمر وتجاوزه عتبة السبعين، يواصل في عام 2026 ممارسة دور المرجعية القومية والثقافية العليا مستخدماً رمزيته لحل الأزمات وحماية المجتمع الكردي. وتجلى هذا الدور في منتصف مايو 2026 عندما اندلعت أزمة قانونية حادة إثر خلاف علني بين الفنان الشاب ميم أرارات ومؤسسة الإنتاج كوم موزيك حول حقوق ملكيته الفكرية
ظهر شفان برور في فيديو رسمي حازم وموجه بغضب الأب وعتابه، صرح فيه بأنه يخدم هذا الشعب منذ ستين عاماً ولم يكن الفن لديه لأجل المال، دعاهم للتوقف عن الصراعات المادية التي تهدم المؤسسات، مطلقاً صرخته الشهيرة التي تناقلتها وسائل الإعلام بأن قبلته هي كوردستان، وأن قيم ومكتسبا

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

رقية العلمي/ فلسطين

أنا ابنة لواحد من آلاف الشهداء الذين ارتقوا خلال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حكاية بدأتُ في كتابتها من ساعة ما حملت جثة أبي، لم تزل كلمات وجعها تدق في رأسي، أكتبها بدون تدوين… إلى أن آن الآوان وبدأت قصة عمر تبزغ وتنمو على الورق… أخاف أن يداهمني الموت قبل أن أسطر قصتي التي…

فراس حج محمد| فلسطين

كتب الدكتور عادل الأسطة منشوراً قصيراً في صفحته على الفيسبوك حول رواية “تمويه” للكاتبة عدنية شبلي، أتى فيه على لغة الرواية، والصحيح أنه قدّم ملحوظات مهمة حول لغة الرواية، وأبدى اهتماماً بالغاً بهذه اللغة، وحق له ذلك؛ فاللغة عماد أي عمل أدبي أكان سرديا أم شعرياً، بل إن العمل الأدبي هو اقتراج…

صبحي دقوري

كولن هنري ولسون Colin Henry Wilson كاتب ومفكر وروائي إنكليزي، وُلد في ليستر بإنكلترا في 26 حزيران/يونيو 1931، وتوفي في كورنوال في 5 كانون الأول/ديسمبر 2013. كتب في الفلسفة، الأدب، التصوف، علم الجريمة، علم النفس، الموسيقى، والظواهر الخارقة، حتى صار واحدًا من أغزر كتّاب بريطانيا في القرن العشرين. تذكر موسوعة بريتانيكا أنه ألّف أكثر…

أعلنت منشورات رامينا في لندن صدور رواية «نموت دائماً متأخّرين» للكاتبة السورية لينا رضا، في عمل روائي جديد يقترب من أكثر المناطق هشاشة في التجربة الإنسانية، عبر سرد نفسي وتأملي يتناول المرض، المنفى، العزلة، وأسئلة الموت والنجاة، ضمن فضاء روائي يضع شخصياته على تخوم القرار الأخير.

وتنطلق الرواية من مركز علاجيّ غربيّ يستقبل مرضى ومتقدّمين بطلبات…