فجر الإبداع الكوردي من الصحافة إلى الرواية والسينما والموسيقى

إعداد وصياغة: ماهين شيخاني

حين يُستعاد تاريخ الشعوب، لا تُقاس عظمتها فقط بما شيدته من مدن أو خاضته من حروب، بل بما أبدعته من ثقافة وآداب وفنون حفظت ذاكرتها الجماعية عبر الزمن. والشعب الكوردي، رغم ما تعرض له من انقسامات سياسية وتحولات تاريخية قاسية، استطاع أن يبني إرثاً ثقافياً غنياً انتقل من الرواية الشفوية والأغنية الشعبية إلى فضاءات الأدب المكتوب والصحافة والسينما والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى الحديثة.

لقد تشكلت النهضة الثقافية الكوردية الحديثة عبر جهود رواد آمنوا بأن الثقافة هي الحصن الأخير للهوية، والطريق الأعمق لحفظ الذاكرة الجماعية.

الشعر: البداية الأولى للكلمة المدونة

يُعد الشعر أقدم أشكال التعبير الأدبي الكوردي وأكثرها رسوخاً في الوجدان الشعبي. ويرى عدد من الباحثين أن الشاعر الصوفي بابا طاهر الهمداني يمثل إحدى أقدم المحطات الشعرية التي كُتبت باللهجات الكوردية القديمة.

ومع مرور القرون ازدهر الشعر الكوردي على أيدي أعلام كبار مثل ملايي جزيري وأحمدي خاني وفقي تيران، الذين رفعوا اللغة الكوردية إلى مستوى التعبير الفلسفي والوجداني الرفيع.

ولم تكن أعمالهم مجرد نصوص أدبية، بل أصبحت مرجعيات ثقافية أسهمت في ترسيخ الهوية الكوردية عبر القرون.

الصحافة الكوردية: ولادة الوعي الحديث

إذا كان الشعر قد حفظ الذاكرة، فإن الصحافة صنعت الوعي الحديث.

في الثاني والعشرين من نيسان عام 1898 صدرت صحيفة كردستان في القاهرة على يد الأمير مقداد مدحت بدرخان، لتصبح أول صحيفة كوردية في التاريخ.

لم تكن الصحيفة مجرد نشرة إخبارية، بل مشروعاً ثقافياً وقومياً حمل اللغة الكوردية إلى فضاء الطباعة الحديثة، وربط المثقفين الكورد بعضهم ببعض رغم تباعد الجغرافيا.

تنقلت الصحيفة بين القاهرة وجنيف ولندن ومدن أوروبية أخرى بفعل الضغوط السياسية، لكنها بقيت رمزاً لبداية عصر التدوين الكوردي الحديث.

هاوار وروناهي: ثورة اللغة والأبجدية

شكّلت ثلاثينيات القرن العشرين محطة مفصلية في تاريخ الثقافة الكوردية مع صدور مجلة هاوار في دمشق عام 1932 بإشراف الأمير جلادت بدرخان.

لم تكن “هاوار” مجرد مجلة أدبية، بل مشروعاً نهضوياً متكاملاً أسهم في توحيد الكتابة الكوردية بالحروف اللاتينية، ووضع الأسس الحديثة للأبجدية الكوردية المستخدمة اليوم في أجزاء واسعة من كردستان.

ثم جاءت مجلة روناهي لتواصل هذا الدور، فأسهمت في نشر الأدب واللغة والوعي الثقافي بين الأجيال الجديدة.

ولعل تأثير جلادت بدرخان في اللغة الكوردية الحديثة يوازي تأثير كبار الروائيين والشعراء في الأدب الكوردي.

القصة القصيرة والرواية: ميلاد السرد الكوردي

مع نهاية القرن التاسع عشر بدأت ملامح السرد الكوردي الحديث بالتشكل من خلال جهود الملا محمود البايزيدي في جمع الحكايات الشعبية وتدوينها.

ثم شهد عام 1913 محطة مهمة مع نشر قصة “مير محي الدين” للكاتب فؤاد تمو، والتي تُعد من أوائل القصص الكوردية الحديثة.

أما الرواية الكوردية فقد دخلت مرحلة جديدة مع صدور رواية الراعي الكوردي للكاتب عرب شمو عام 1935، والتي ينظر إليها بوصفها أول رواية كوردية حديثة مطبوعة.

ومنذ ذلك الحين تطورت الرواية الكوردية لتشمل موضوعات الهوية والمنفى والحرب والتحولات الاجتماعية.

المسرح: الكلمة تصعد إلى الخشبة

لم تتأخر الحركة المسرحية الكوردية عن مواكبة النهضة الأدبية.

وتُعد مسرحية علبة الأدوية التي كتبها حجي جندي عام 1935 من أوائل النصوص المسرحية الكوردية الحديثة.

وقد تطور المسرح لاحقاً في السليمانية وأربيل وديار بكر ودمشق، ليصبح منصة للتعبير الثقافي والاجتماعي.

السينما الكوردية: الصورة التي حفظت الذاكرة

دخل الكورد عالم السينما مبكراً نسبياً.

ففي عام 1926 أُنتج فيلم زاري للمخرج هامو بيكنازاريان، وهو أول فيلم يتناول حياة الكورد وثقافتهم.

أما الرائد الأبرز للسينما الكوردية الحديثة فهو بلا شك يلماز غوني الذي أحدث تحولاً كبيراً في السينما العالمية.

وقد تُوج فيلمه الشهير الطريق بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1982، فاتحاً الباب أمام حضور السينما الكوردية على المستوى الدولي.

وفي العقود الأخيرة ظهر مخرجون كورد نقلوا قضايا الحرب والمنفى والهوية إلى شاشات العالم، مما منح السينما الكوردية مكانة متقدمة بين سينمات الشرق الأوسط.

الفن التشكيلي: اللون بوصفه ذاكرة

بدأ الفن التشكيلي الكوردي يتبلور في مطلع القرن العشرين على أيدي فنانين رواد مثل أكرم حمودي وحسن علاء الدين.

وقد نقل هؤلاء الفنانون إلى اللوحة الجبال الكوردية، والقرى الريفية، والأزياء التقليدية، وصور الإنسان الكوردي في لحظات الفرح والمعاناة.

ومع الزمن أصبحت الحركة التشكيلية الكوردية جزءاً فاعلاً من المشهد الفني الإقليمي.

الموسيقى الكوردية: الصوت الذي هزم النسيان

إذا كانت الصحافة قد حفظت الكلمة، فإن الموسيقى حفظت الروح.

لعبت الأغنية الكوردية دوراً مركزياً في صيانة اللغة والذاكرة الجماعية، خصوصاً خلال الفترات التي تعرضت فيها الثقافة الكوردية للتضييق.

ومن أبرز الرواد الموسيقيين:

علي مردان الذي أسهم في تطوير الموسيقى الكلاسيكية الكوردية.

حسن زيرك الذي ترك إرثاً غنائياً ضخماً ما زال حاضراً في الذاكرة الشعبية.

محمد عارف جزراوي الذي أثرى الأغنية الكوردية بأعمال خالدة.

شڤان برور الذي نقل الأغنية الكوردية إلى الفضاء العالمي وجعلها سفيراً للثقافة الكوردية.

وقد ساعدت الموسيقى الكوردية في حفظ اللهجات المحلية ونقل التراث الشعبي بين الأجيال، حتى أصبحت الأغنية الكوردية إحدى أهم ركائز الهوية الثقافية.

النهضة الثقافية الكوردية في القرن العشرين

شهد القرن العشرون تحولاً جذرياً في الثقافة الكوردية. فإلى جانب الشعر والرواية والصحافة، ظهرت مؤسسات ثقافية واتحادات أدبية ودور نشر ومجلات تخصصية أسهمت في توسيع دائرة الإبداع.

وأصبحت الثقافة الكوردية أكثر انفتاحاً على العالم عبر الترجمة والجامعات والمهرجانات الفنية، مما سمح للأدب والسينما والموسيقى الكوردية بأن تتجاوز حدود الجغرافيا إلى فضاءات دولية أوسع.

لقد نجح المثقف الكوردي في تحويل الثقافة إلى وسيلة مقاومة سلمية، حافظ بها على اللغة والذاكرة والهوية في أصعب الظروف التاريخية.

خاتمة

إن تأمل مسيرة الإبداع الكوردي يكشف عن رحلة طويلة من المقاومة الثقافية. فمن صحيفة “كردستان” إلى الرواية الحديثة، ومن المسرح والسينما إلى الموسيقى والفن التشكيلي، استطاع المبدعون الكورد أن يحولوا الثقافة إلى وطن موازٍ حين ضاقت الأوطان السياسية.

لقد كانت هذه الإنجازات أكثر من مجرد أعمال فنية وأدبية؛ كانت إعلاناً متواصلاً عن وجود شعب يمتلك لغة حية وذاكرة عميقة وقدرة استثنائية على البقاء.

ولهذا بقيت أسماء الرواد الأوائل محفورة في الوجدان الكوردي، لا بوصفهم أدباء وفنانين فحسب، بل بوصفهم البنّائين الأوائل لصرح الثقافة الكوردية الحديثة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…