صبحي دقّوري
لم يكن رحيل إدغار موران خبرًا عابرًا في صحيفة، ولا تفصيلًا ثقافيًا يضاف إلى سجل الغياب الطويل. كان رحيله انطفاء مصباح فكري ظلّ، طوال قرن كامل، يضيء زوايا العالم المعتمة، لا بضوء اليقين المتعالي، بل بضوء السؤال، والشك، والربط، والإنصات العميق إلى تعقيد الإنسان والتاريخ والحياة.
رحل موران، لكن فكره لا يرحل. فبعض المفكرين يموتون حين تتوقف أجسادهم، وبعضهم يبدأ حضوره الأعمق بعد موته. وموران من هذه السلالة النادرة من المفكرين الذين لا يُغلق عليهم القبر، لأنهم عاشوا وهم يفتحون النوافذ، ويمدّون الجسور، ويعلّمون العقل أن الحقيقة ليست حجرًا جامدًا، بل نهرًا متحركًا، وأن المعرفة ليست امتلاكًا للواقع، بل مصاحبة شاقة له في تحولاته ودوائره وتناقضاته.
أكتب عن إدغار موران لا كما يكتب قارئ صادف اسمه في فهرس أو اقتبس عبارة من كتبه، بل كما يكتب رجل عاش معه فكريًا ما يقارب نصف قرن. قرأت كتبه واحدًا بعد آخر، لا بوصفها مؤلفات منفصلة، بل بوصفها سيرة عقل يبحث عن نفسه في العالم، وعن العالم في الإنسان، وعن الإنسان في الطبيعة والتاريخ والمجتمع واللغة والموت والحب والسياسة. كنت أتبعه، أعود إليه، أخالفه أحيانًا، أدهش به كثيرًا، وأجد فيه دائمًا تلك القدرة النادرة على أن يجعل الفكر حيًا، متحركًا، يقظًا، غير قابل للتحجر في مذهب أو حزب أو مؤسسة أو عقيدة مغلقة.
كان موران، في عمق تكوينه، ابن الجرح والقرن العشرين معًا. وُلد في زمن مضطرب، وعرف مبكرًا أن الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، وأن الإنسان كائن هش، مهدد، لكنه قادر على المقاومة والمعنى. فقد أمه وهو صغير، فدخل الموت إلى وجدانه لا كحادثة عائلية فحسب، بل كسؤال وجودي ظل يرافقه في كل كتبه تقريبًا. ثم جاءت الحرب، والنازية، والاحتلال، والمقاومة، فاختبر التاريخ لا من مقاعد المدرجات، بل من قلب الخطر. لم يكن مثقفًا يشرح المأساة من بعيد، بل إنسانًا مرّ بها، وتعلّم منها أن الفكر الذي لا يواجه الشرّ لا يستحق اسمه.
ولهذا ظل موران مقاومًا حتى آخر أيامه. مقاومًا للنازية في شبابه، ومقاومًا للستالينية حين رأى كيف تتحول الفكرة المحررة إلى سجن، ومقاومًا للجمود الجامعي، وللتخصص الضيق، وللغة المدرسية التي تمزق العالم إلى قطع صغيرة ثم تزعم أنها فهمته. كان مقاومًا لأنماط التفكير التي تفصل الإنسان عن الطبيعة، والعقل عن العاطفة، والسياسة عن الأخلاق، والعلم عن الحكمة، والمعرفة عن المسؤولية.
لقد كان، بحق، مفكر الربط لا مفكر الفصل. وهذه، في نظري، أعظم وصاياه. لقد علّمنا أن العقل حين يفصل بلا قدرة على إعادة الوصل، يتحول إلى أداة تشويه. نعم، العلم يحتاج إلى التمييز والتحليل والتفكيك، لكنه يفقد روحه حين يعجز عن التركيب، وعن رؤية العلاقة بين الجزء والكل، وبين الفرد والمجتمع، وبين الحرية والضرورة، وبين النظام والفوضى، وبين الحياة والموت. كان موران يقول لنا، على امتداد مشروعه: تعلمنا كثيرًا كيف نفصل، ولم نتعلم بما يكفي كيف نربط.
ومن هنا جاءت «الفكر المركّب» لا كشعار، بل كثورة هادئة في طريقة النظر. لم يكن يقصد بالتعقيد الغموض، ولا التلاعب بالألفاظ، ولا ادعاء العمق. كان يقصد أن الواقع ليس بسيطًا كما تريد الأيديولوجيات، ولا خطيًا كما ترغب الإدارات، ولا قابلًا للاختزال كما يتوهم بعض العلماء. الواقع شبكة، حلقات، علاقات، ارتدادات، مصادفات، تناقضات، مستويات متداخلة. والإنسان نفسه ليس كائنًا عقلانيًا فقط، ولا غريزيًا فقط، ولا اجتماعيًا فقط، ولا بيولوجيًا فقط؛ إنه كل ذلك معًا، في تركيب لا يكفّ عن التحول.
كان موران من القلائل الذين فهموا أن الإنسان لا يُقرأ في علم واحد. لا يكفي أن ندرسه بيولوجيًا فنفقد رموزه، ولا أن ندرسه اجتماعيًا فننسى جسده، ولا أن ندرسه فلسفيًا فنغفل تاريخه، ولا أن ندرسه سياسيًا فنصمّ آذاننا عن خوفه وحبه وأحلامه. لقد أراد معرفة لا تقتل موضوعها، معرفة تتواضع أمام ثراء الحياة، وتعرف أن الحقيقة كلما اتسعت ازدادت احتياجًا إلى الحوار.
في «المنهج» بلغ موران ذروة مشروعه. ستة مجلدات لا تشبه الكتب المعتادة، بل تشبه رحلة كبرى عبر الطبيعة والحياة والمعرفة والأفكار والإنسان والأخلاق. لم يكن «المنهج» عنده وصفة، ولا تقنية، ولا دليلًا مدرسيًا. كان تمرينًا على أن نفكر في التفكير ذاته، وأن نراقب العقل وهو يراقب العالم، وأن نكتشف أن المعرفة لا تولد من عين بريئة، بل من عقل له تاريخه، وثقافته، وحدوده، وأوهامه، وضرورته في الوقت نفسه.
كم تعلمت من موران أن أخاف من اليقين حين يتكبر، ومن العقل حين يتحول إلى محكمة، ومن الأيديولوجيا حين تدعي امتلاك مفاتيح الخلاص. كان يعرف، أكثر من غيره، أن القرن العشرين لم يُدمَّر بالجهل وحده، بل دُمّر أيضًا بأفكار ادعت أنها تعرف الطريق النهائي إلى السعادة. لذلك لم يكن نقده للستالينية مجرد موقف سياسي؛ كان درسًا في أخلاقيات الفكر. لقد عرف من الداخل كيف يستطيع الحلم بالعدالة أن يتحول إلى آلة قمع حين يفقد النقد، وكيف يمكن للعقيدة أن تخون الإنسان باسم الإنسان.
ومع ذلك، لم يسقط موران في العدمية. لم يكن من أولئك الذين إذا اكتشفوا كذب الأيديولوجيا كفروا بالإنسان كله. ظل إنسانيًا، لكن إنسانيته لم تكن ساذجة. كانت إنسانية مجروحة، واعية، تعرف الشر، وتعرف هشاشة البشر، وتعرف قابلية الحضارات للانهيار، لكنها مع ذلك ترفض الاستسلام. كان يؤمن بالأمل لا بوصفه تفاؤلًا رخيصًا، بل بوصفه مقاومة. كان يقول لنا، بمعنى من المعاني، إن الأمل لا يكون ضروريًا حين تكون الطريق واضحة، بل حين يغيب الطريق وتبقى القدرة على المشي.
وقد كان هذا البعد الأخلاقي من أعمق ما في فكره. فموران لم يفصل المعرفة عن المسؤولية. لم يكن يريد عقلًا بارعًا فقط، بل عقلًا رحيمًا. لم يكن يريد علمًا متقدمًا فقط، بل علمًا يعرف حدوده، ويعرف أن التقنية حين تنفصل عن الضمير قد تصبح خطرًا على الإنسان والطبيعة. لذلك كانت البيئة، والأرض، والمصير الكوكبي، والحاجة إلى سياسة حضارية، من هواجسه الكبرى. كان يرى أن البشرية دخلت مصيرًا مشتركًا، وأن الكوكب لم يعد مسرحًا خارجيًا نتحرك عليه، بل صار وطنًا هشًا نتقاسمه، ونجرحه، ونحتاج إلى إنقاذه لكي ننقذ أنفسنا.
ومن أجمل ما تركه موران مفهوم «الأرض ـ الوطن». لم يكن شعارًا عاطفيًا، بل وعيًا جديدًا بالشرط الإنساني. لقد فهم قبل كثيرين أن العولمة الاقتصادية وحدها لا تصنع عالمًا، وأن الاتصال التقني لا يصنع أخوة، وأن السوق لا يبني حضارة. لا بد من وعي كوكبي، من إحساس بأن مصير الإنسان في باريس، وبغداد، ودمشق، وقامشلو، وريو دي جانيرو، وطوكيو، وبكين، ونيويورك، صار مربوطًا بخيط واحد، وأن الأوبئة والحروب والمناخ والهجرات والفقر والتعصب لا تعترف كثيرًا بخرائط السيادة حين تنهار شروط الحياة المشتركة.
لهذا كان موران مفكرًا سياسيًا من طراز خاص. لم يكن سياسيًا حزبيًا بالمعنى الضيق، رغم مروره بالتجارب الحزبية، بل كان سياسيًا لأنه فكّر في المدينة، في المصير العام، في العيش المشترك، في المخاطر التي تهدد الإنسان. كان يزعجه الاختزال: اختزال الشعوب في هويات قاتلة، واختزال السياسة في إدارة المصالح، واختزال الثقافة في دعاية، واختزال الوطن في حدود مغلقة، واختزال الإنسان في ناخب أو مستهلك أو رقم.
كان موقفه من القضايا الكبرى موقف الضمير المركّب: لا يهرب من التناقض، ولا يبيع عقله في سوق الاصطفاف الأعمى. في عالم يريد منك أن تكون معسكرًا ضد معسكر، كان موران يعلّمنا أن الأخلاق ليست انتماءً أعمى، وأن العدالة لا تكون عدالة إذا رأت ألم طرف واحد وأغمضت العين عن ألم الآخر، وأن الدفاع عن المظلوم لا يجيز الكراهية، وأن نقد الظلم لا يعني السقوط في ظلمات مضادة. كان يريد إنسانية قادرة على رؤية الضحايا حيثما كانوا، لا إنسانية انتقائية تستيقظ حين يناسبها الألم وتنام حين يحرجها الحق.
وهنا تكمن شجاعة موران: أنه لم يكن يخاف أن يكون وحيدًا. كان يفضّل أن يظل أمينًا لتعقيد الحقيقة على أن يكون محبوبًا داخل قطيع فكري. كثيرون يحبون الوضوح حين يكون تبسيطًا، أما موران فكان يحب الوضوح الذي لا يخون التعقيد. لم يكن يهرب إلى الضباب، لكنه كان يرفض أن يزوّر الواقع لكي يصبح مريحًا.
في كتبه عن السينما، والنجوم، والثقافة الجماهيرية، والشائعات، والشباب، نرى جانبًا آخر من عبقريته. لقد أخذ ما كان بعض الأكاديميين يعدّونه موضوعات هامشية، ومنحها كرامة البحث. فهم أن العصر الحديث لا يُقرأ فقط في الدساتير والفلسفات الكبرى، بل في الشاشة، والصورة، والنجومية، والخبر، والإشاعة، والخيال الجماعي. كان يعرف أن الإنسان لا يعيش بالحقائق وحدها، بل بالأساطير، والصور، والأحلام، والأوهام، وأن دراسة هذه العناصر ليست ترفًا بل ضرورة لفهم المجتمع الحديث.
أما كتاباته الذاتية، من «نقد ذاتي» إلى «شياطيني» و«دروس قرن من الحياة»، فهي تكشف شيئًا نادرًا في المثقفين: جرأة النظر إلى النفس بلا تزويق. لقد عرف موران أن المفكر لا يكون جديرًا بنقد العالم إذا لم يجرؤ على نقد ذاته. كان يعترف بأخطائه، بأوهامه، بانجذاباته، بانكساراته. وهذه فضيلة كبرى في زمن يفضّل فيه كثيرون أن يظهروا كأنهم لم يخطئوا قط. لقد جعل من النقد الذاتي جزءًا من المنهج، لا اعترافًا عابرًا.
وقد أحببت فيه، على نحو خاص، هذه القدرة على البقاء شابًا في الفكر رغم تقدمه في العمر. كان يشيخ جسديًا، لكن عقله ظل فضوليًا، مفتوحًا، قادرًا على الإصغاء. لم يتحول إلى تمثال. لم يجلس فوق كتبه القديمة يوزع الأحكام على الأجيال الجديدة. ظل يتابع، يكتب، يحاور، يحذر، يأمل، يتعلم. وهذه علامة المفكر الحقيقي: أن يبقى تلميذًا للحياة حتى النهاية.
منذ نصف قرن وأنا أقرأ موران وأرافقه، وأعود إليه كلما شعرت أن العالم صار أكثر تشظيًا مما يستطيع العقل العادي احتماله. في كل مرة كنت أجد عنده لا جوابًا نهائيًا، بل طريقة أشرف للسؤال. لقد علّمني أن التفكير لا يعني أن نقتل الحيرة، بل أن نمنحها شكلًا، وأن نرافقها بشجاعة. علّمني أن اليقين حين لا يعرف حدوده يصبح خطرًا، وأن الشك حين لا ينقلب إلى عقم يصبح فضيلة، وأن المعرفة حين لا تنفتح على المحبة تفقد نصف إنسانيتها.
رحل إدغار موران، لكن ما تركه ليس مكتبة فقط، بل طريقة في الحياة. ترك لنا درسًا يقول إن الفكر ليس حرفة باردة، بل مسؤولية. وإن الإنسان لا يُفهم إلا إذا رُبط بما حوله: بالطبيعة، بالمجتمع، بالذاكرة، باللغة، بالموت، بالحب، بالتاريخ، بالصدفة، وبذلك المجهول الذي يظل يرافق كل معرفة عظيمة.
إن موته يدعونا إلى أن نعيد قراءة كتبه لا بوصفها آثارًا لمفكر انتهى زمنه، بل بوصفها أدوات ملحة لزمننا. فما أحوجنا اليوم إلى موران، ونحن نعيش عالمًا يزداد انقسامًا، وتخصصًا، وتطرفًا، وتسرعًا، وضجيجًا. ما أحوجنا إلى فكره المركّب في زمن التفكير السطحي، إلى أخلاقه الإنسانية في زمن القسوة، إلى شجاعته النقدية في زمن الاصطفافات، إلى دعوته للربط في زمن التمزيق.
كان إدغار موران يقول إن المعرفة إبحار في محيط من اللايقين عبر أرخبيلات من اليقين. وها نحن، بعد رحيله، نرى صورته على شاطئ ذلك المحيط: رجلًا عبر القرن، ولم يدّع أنه امتلك البحر؛ لكنه علّمنا كيف نبحر، وكيف لا نخاف من العاصفة، وكيف نبحث عن الجزر الصغيرة التي تمنح العقل استراحة، لا لكي ينام، بل لكي يستأنف السفر.
وداعًا إدغار موران.
وداعًا أيها الحكيم الذي علّمنا أن العالم لا يُفهم إذا قطعناه إربًا، وأن الإنسان لا يُنقذ إذا اختزلناه، وأن الفكر لا يكون عظيمًا إلا حين يعرف كيف يربط، ويشك، ويحب، ويقاوم.
لقد رحلتَ، لكن الطريق الذي شققته سيظل مفتوحًا. فالذين قرأوا
حقًا لا يودعونك كذكرى، بل يحملونك كمنهج، وكقلق، وكبوصلة، وكأمل عنيد في أن الإنسان، رغم كل ما فيه من عتمة، لا يزال قادرًا على أن يتعلم كيف يصير أكثر إنساني