خليل عبدالقادر Kalil Kader
في تلك السنوات وفي تلك المدينة” الحسكة” التي كانت تعيش على ضفاف الخابور كنت أسترزق من تعبي وبعرق جبيني. وكان لي ملف محترم عند فروع المخابرات” ماركسي يتعاطف مع الكرد. حاولت أكثر من مرة أن أبدّل هذا التصنيف، لكنني فشلت. كانت الأجهزة الأمنية أكثر تمسكاً بأفكارها عن الناس من الناس أنفسهم.
كان أصدقائي من كل الأصناف. تشكيليون، فوضويون، حالمون، وبعض المهابيل الذين لا تكتمل الحياة إلا بوجودهم، حتّى زينا قرجي” كانت تشاركنا أحياناً؟!. كنت على تماس يومي مع الماركسيين بكل انشقاقاتهم المباركة، ومع الكرد بكل أحلامهم المؤجلة. أما الغالبية من أصدقائي فكانوا من المسيحيين. مطابخهم مليئة بأفضل الطعام، كانوا أكثر مدنية مني، وأنا القروي الذي جاء إلى الحسكة محملاً بشيء من برية القرى وخشونتها.
كنا نعيش في حي الصالحية، حي الفقراء كما كنا نسميه بلا خجل. اشترى والدي حينها مقسم الأرض بمئتين وأربعين ليرة سورية بجانب بيت “أرملة”، وبنى البيت من الطين وبعض الحجارة التي جاء بها من جبل كوكب. ومع الوقت صنعت نافورة صغيرة في الحوش وزرعت الورود والأزهار، حتى صار البيت ليلاً، مع الإنارة الخافتة، يشبه ملهى ليلياً فقيراً لكنه سعيد بنفسه.
كانت والدتي روح هذا المكان. امرأة من أصول ستيلينية جاءت جذورها من تركيا، لكنها لم تعرف من الحياة إلا عناد الفقراء وإيمانهم البسيط بالحياة. كانت امرأة شاردة أكثر مما ينبغي، لا تحفظ حكايات النسوة ولا تدخل في مكائدهن اليومية. لم تكن تعرف كيف يُخبأ المال، ولا كيف يُشك بالناس، ولا كيف تُدار تلك الحروب الصغيرة التي تخوضها النساء حول أخبار الجيران والأقارب. كانت بسيطة إلى درجة أن المرء يخاف عليها من العالم، لكنها كانت تمضي فيه مطمئنة وكأن الشر أقل مما هو عليه في الحقيقة.
كانت تجلس على كرسي خشبي صغير في زاوية الحوش، أو فوق سريرها الموضوع قرب الحائط، تراقبنا ونحن نسهر مع أصدقائنا من المسيحيين والديرية والكرد والبعض من سيّاد آل النامس أيضاً. يمر أمامها الشيوعي والقومي والفوضوي والعاشق والشاعر والمجنون، فلا تميز بينهم كثيراً. كانوا جميعاً بالنسبة لها أصدقاء ابنها، وهذا يكفي.
ذات مرة أنجزت عملاً ديكورياً لمبنى المؤسسة الاستهلاكية المجاور للقصر العدلي الذي يتقاتل الكرد والعرب على قارمتها لإثبات الهويّة. قبضت مستحقاتي من مؤسسة الإسكان العسكري التي كانت تتولى تنفيذ المشروع. كان المبلغ يومها يقارب أربعمئة وثمانين ألف ليرة، دفعت منها أجور العمال الذين عملوا معي؛ أبو حنا وخورشيد وسعد وآخرين، ودفعت أيضاً للمهندس المشرف حينها خمس وعشرون ألف ليس ليمرر لي الأخطاء، فقط لأنك لاتستطيع قبض أتعابك من هكذا مؤسسات دون أن تدفع أذكر حينها أخبرت أحد أصدقائي وأثق به، لكنه فضحني في المدينة وكأنه عمل بطولة ثوريّة وأعتقد سيقرأ هذا البوست،
وضعت المال في كيس ورقي وسلمته لوالدتي.
سألتني:
ـ ما هذا؟
قلت:
ـ ضعيه عندك.
فقالت من دون أن تنظر داخله “خليلو “
وضعته تحت سريرك.
بعد أيام عدت ليلاً من سهرة عند أبو ريمون. كان معي صديق قادم من القامشلي، وكنا قد شربنا أكثر مما ينبغي. سرقنا جبس من تحت خيمة في طلعة الصالحيّة كان صاحبها يغط في نوم عميق، أو بلغة أخرى لم نحب أن ننزع عليه نومه- لا أعرف كيف أوصلت الجيب إلى البيت من دون أن أصطدم بشجرة أو بحائط أو بمشروع سياسي كامل.
عند الباب خطرت لي فكرة سخيفة.
قلت لصديقي:
ـ دق الجرس. عندما تخرج أمي قل لها إن خليل أرسلك لتأخذ الكيس الموضوع تحت السرير.
ثم اختبأت في زاوية المدخل المظلمة.
خرجت أمي بالفعل.
قال لها صديقي ما اتفقنا عليه.
فدخلت إلى البيت وعادت بعد لحظات وهي تحمل الكيس.
ناولته إياه بكل هدوء وقالت:
ـ تعال ادخل. سأفرش لك. خليل سيعود بعد قليل.
أخذ صديقي الكيس وابتعد خطوات قليلة، ثم فتحه تحت ضوء الشارع. وما إن رأى ما بداخله حتى انفجر ضاحكاً. كنت أضحك مثله، لكن ليس على المال، بل على أمي التي كانت مستعدة أن تسلم ما يساوي عمرها من التعب لأول شخص يطرق الباب ويقول إن خليل أرسله.
ولكي لا تشعر بما فعلناه، سرنا قليلاً في الشارع ثم عدنا.
دخلت البيت وقلت لها:
ـ معي ضيف من القامشلي يا أمّي، علينا أن نفرش له.
نظرت إلينا بهدوئها المعتاد وقالت:
ـ أهلاً وسهلاً… تفضلوا.
ولم تسأل عن الكيس، ولا عن المال، ولا عن شيء آخر. كأن العالم كله عندها كان قائماً على قاعدة واحدة بسيطة: إذا قال ابني ذلك، فلا بد أنه صحيح.
– اللوحة والدتي بريشة عمر حمدي.