فواز عبدي
من أبرز السمات الفنية التي تميز مونودراما «الجندي أصلان أوغلو» للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل أنها تنطلق من ثقة واضحة بوعي المتلقي وقدرته على إنتاج المعنى بنفسه. فالنص لا يلجأ إلى الشرح المباشر، ولا يفرض على المشاهد أو القارئ تفسيراً محدداً للأحداث، وإنما يكتفي ببناء عالمه الدرامي عبر الإيحاء والصورة والحدث، تاركاً مساحة واسعة للتأويل والتفكير.
في كثير من الأعمال التي تتناول موضوعات العنف والحرب والذنب، يميل الكاتب إلى توضيح موقفه الأخلاقي أو السياسي بصورة مباشرة، عبر الخطب أو الاعترافات أو التعليقات التفسيرية. أما في «الجندي أصلان أوغلو» فإن الكاتب يتجنب هذا المسلك تماماً. فهو يترك أفعال الجندي أصلان وتصدعاته النفسية تتحدث عنه عوضاً عن أن يخبرنا كيف ينبغي أن ننظر إلى الشخصية أو يضع على لسانه اعترافاً صريحاً بالذنب.
يتجلى هذا الاحترام لعقل المتلقي في التعامل مع أبرز الرموز المسرحية في النص، وعلى رأسها ضحكة الرضيع. فالكاتب لا يقدم تفسيراً نهائياً لهذه الضحكة التي تلاحق أصلان طوال الليل. حين يسمعها للمرة الأولى، يتساءل مرتبكاً: “إنها الضحكة نفسها.. الضحكة التي أطلقها الرضيع.. غير معقول. إنه ميت …”. لكن النص لا يحسم طبيعة هذا الصوت: هل هو مجرد هلوسة ناتجة عن الضغط النفسي والشعور بالذنب؟ أم أنه تجسيد مسرحي للضمير الإنساني؟ أم حضور رمزي للضحية التي ترفض أن تُنسى؟ أم أننا أمام بعد ميتافيزيقي يتجاوز الواقع؟ النص لا يمنح إجابة قاطعة، لكنه يفتح الباب أمام جميع هذه القراءات في آن واحد، وكل إجابة من هذه الإجابات تفتح باباً لقراءة مختلفة للنص.
الأمر ذاته ينطبق على شخصية الفتاة التي ألقت بنفسها في النار. فالغناء الذي يتردد في أرجاء القرية المحترقة لا يُفسَّر هو الآخر. لا يخبرنا الكاتب إن كان صوتاً حقيقياً أم ذكرى أم طيفاً من أطياف الضمير المعذب. نحن لا نرى الفتاة على الخشبة، لكن حضورها يظل طاغياً. ويكفي أن نتأمل حديث أصلان عنها وهو يستعيد لحظة عودتها إلى النار: “ما أن رفعتِ عينيك ونظرتِ في وجهي.. ثم عدتِ من فورك إلى النار!..”، حتى ندرك أن هذه الصورة وحدها تكشف الكثير الكثير، دون أن يحتاج الكاتب إلى أي تعليق أو تفسير.
كما أن النص يبتعد عن الشرح السياسي المباشر رغم وضوح خلفيته التاريخية والإنسانية. فلا نجد محاضرة عن وحشية العدو ولا سرداً مطولاً لطبيعة الصراع أو حيثيات المذبحة أو هوية الضحايا. كل ما يصلنا هو شذرات متناثرة، مثل اعتراف أصلان المتردد: “وماذا عن الصغير الذي قتلتُهُ؟” أو حديثه عن المهمة العسكرية التي جاءت “لتأديب” قرية جبلية لأنها “حمت عُصاةً للدولة”. ومن خلال هذه الإشارات المقتضبة يترك للمشاهد أن يعيد تركيب المشهد الكامل بنفسه.
وتبدو ثقة الكاتب بمتلقيه أكثر وضوحاً في رسم التحول النفسي لأصلان. فالنص لا يقول لنا صراحة إن الجندي يعيش حالة تأنيب ضمير، وإنما يجعلنا نستنتج ذلك من خلال سلوكه المتكرر. فهو يعود مراراً إلى بيت الرضيع، ويحاول عبثاً وبكل الوسائل إسكات الضحكة، حتى يصل به الأمر إلى الصراخ: “قلت لك اصمت! اصمت وإلا أقتلك مرة أخرى!”. إن هذه الجملة وحدها تكشف عمق الانهيار النفسي الذي يعيشه، دون أي تفسير مباشر من الكاتب. فالمشاهد هنا يشارك في اكتشاف الفكرة لحظة بلحظة، وهو ما يمنح الأثر الدرامي قوة تفوق ما يمكن أن يحققه أي تصريح مباشر.
أما النهاية، فهي المثال الأوضح على هذا النهج. كان بإمكان الكاتب أن يحسم مصير أصلان بشكل مباشر، لكنه يكتفي بطلقة واحدة تعقبها ضحكة الرضيع وأغنية الفتاة. هل انتحر؟ هل أطلق النار على أشباحه؟ هل أصاب هدفاً أم أخطأه؟ لا شيء مؤكد. لكن المؤكد أن الضحايا ما زالوا حاضرين وأن الجلاد لم يستطع التخلص منهم. هنا يتحول المتلقي من مشاهد سلبي إلى شريك في إنتاج المعنى، إذ يطلب منه أن يملأ الفراغات بنفسه وأن يشارك في صياغة الخاتمة.
لهذا يمكن القول إن أحد أهم إنجازات مونودراما «الجندي أصلان أوغلو» هو احترامها العميق لعقل المشاهد وليس في موضوعها الإنساني أو بنائها الدرامي فقط. فهي بدل أن تقدم الأفكار على هيئة شعارات أو أحكام جاهزة، تبني عالماً من العلامات والإشارات والرموز، ثم تترك المتلقي يواصل العمل الذي بدأه النص. ومن هنا تأتي قيمة هذه المونودراما؛ إذ تجعل من فعل المشاهدة والقراءة عملية تفكير وتأويل، لا مجرد تلقٍّ سلبي للمعنى. ولعل هذا الإيمان بقدرة الملتقي على المشاركة في إنتاج الدلالة هو أبرز ملامح تجربة أحمد إسماعيل إسماعيل المسرحية والسردية على السواء.
(1) الجندي أصلان أوغلو: نص ضمن خمسة نصوص مونودراما للكاتب أحمد إسماعيل إسماعيل، يجمعها كتاب بعنوان “صرخة الطاووس” صادر عن دار الزمان 2026.