المعرفة عشق

صبحي دقوري

المعرفة، في أصلها العميق، ليست عِدّةً باردةً للعقل، ولا مفاتيح معلّقةً على خاصرة الكلام، ولا حصيلةً من الأسماء والتواريخ والمصطلحات. إنّها، حين تبلغ صفاءها الأقصى، تصير عِشقاً. وما لا يُعشَق لا يُعرَف حقاً؛ لأنّ المعرفة التي لا تمسّ القلب تبقى واقفةً على عتبة الشيء، تدور حوله كما يدور الغريب حول بيتٍ لا يملك مفتاحه.

زاني، أو زانين، ليست معرفةً من ورق، ولا إقامةً في القواميس. إنّها تلك النار الهادئة التي تشتعل في الداخل حين يقترب الإنسان من جوهر ما يحبّه. من يعرف الجبلَ بالحساب لا يعرفه كما يعرفه الراعي الذي نام تحت صخرته، وشرب من ظلّه، وسمع في الليل حفيف الوحوش والريح. ومن يعرف الوطنَ بالخريطة لا يعرفه كما يعرفه المنفيّ الذي يحمل أسماء القرى في صدره مثل حبات مسبحةٍ انفرط خيطها. ومن يعرف اللغةَ بوصفها حروفاً لا يعرفها كما يعرفها من بكى لأنّ كلمةً واحدة أعادت إليه أمّاً غائبة، أو طفولةً بعيدة، أو رائحة خبزٍ خرج لتوّه من تنّورٍ كرديّ عند الفجر.

العشق هنا ليس زينةً عاطفية، ولا ضعفاً من ضعف القلب، ولا انكساراً أمام وجهٍ أو ذكرى. العشق معرفةٌ وقد اشتعلت. هو العقل حين يتخلّى عن صقيعه، والقلب حين يكفّ عن عماه. العاشق لا يرى أكثر من غيره فحسب، بل يرى بطريقة أخرى. الأشياء نفسها تمرّ أمام الناس جميعاً، غير أنّها لا تفتح أسرارها إلا لمن أحبّها. الجبل حجر عند العابر، وكتابٌ عند العاشق. الوجه ملامح عند الغريب، ومصيرٌ عند المحب. اللغة أصوات عند من لا ينتمي إليها، وبيتٌ كامل من الذاكرة عند من حملها في دمه.

ولهذا فإنّ الإنسان، حين يعشق حقاً، لا يبقى كما كان. كأنّ العشق يخرجه من بشرته القديمة، ويمنحه جلداً آخر، وحواسّ أخرى، وبصيرةً لا تُمنح إلا لمن عبر النار. قبل العشق كان الإنسان يمشي بين الأشياء كمن يمشي في سوقٍ مزدحم: يرى ولا يتوقف، يسمع ولا يصغي، يلمس ولا يرتجف. وبعد العشق يصبح لكل شيء نداء. للحجر نداء، وللشجرة نداء، وللصوت نداء، وللغياب نداء. حتى الصمت، ذلك الحيوان الأبيض الذي ينام في زوايا الروح، يصبح لغةً كاملةً حين يمرّ عليه العاشق.

غير أنّ العشق لا يهب الحياة وحدها. إنّه يضع الموت أيضاً في قلب الحياة. فمن أحبّ عرف أنّ ما يحبّه قابل للغياب، وأنّ كل جمالٍ محاصرٌ بالزوال، وأنّ اليد التي تمسك الوردة تمسك معها احتمال ذبولها. لذلك لا يكون العاشق غافلاً عن الموت، بل يكون أقرب الناس إلى معرفته. إنه لا يهرب من الفناء، ولا يخاصمه، ولا يزيّنه بالكلام. هو يعرف أنّ الموت قائمٌ في الحديقة، تحت الزهرة، في ظلّ الجسد، في آخر الأغنية. ومع ذلك يحبّ. وهذه هي بطولة العاشق: أن يعرف هشاشة العالم، ثم يضع قلبه فيه.

فالإنسان الذي لا يحبّ يعيش على هامش حياته. قد يأكل، يعمل، يربّي أبناءه، يشيخ، ينام، يستيقظ، يربح ويخسر، ولكنه يبقى خارج السرّ. أما الذي يحبّ، فإنه يدخل إلى الغرفة الداخلية للوجود. يصبح للحياة عنده طعمٌ لا يعرفه الآخرون، وتصبح الخسارة نفسها معرفةً، والجرح نافذةً، والحنين مدرسةً كبرى لا يتخرج منها أحد.

من هنا نستطيع أن نقول إنّ المعرفة والعشق ليسا طريقين منفصلين. المعرفة بلا عشق تتحول إلى سلطة، إلى برودة، إلى جردة حساب. والعشق بلا معرفة قد يتحول إلى عمى، إلى اندفاعٍ لا يرى ما يحبّه إلا كما يشتهي. أما حين تلتقي المعرفة بالعشق، يولد ذلك الكائن النادر: الإنسان الذي يفهم لأنه يحب، ويحب لأنه فهم.

وفي التجربة الكردية، تبدو هذه الحقيقة أكثر اتقاداً. لا يمكن معرفة الكردي من خارج جرحه، ولا معرفة كردستان من خارج أغنيتها، ولا معرفة لغتها من خارج دموع الذين حُرموا من كتابتها، ولا معرفة تاريخها من خارج الذين ظلّوا يحملونه في الصدور حين طُرد من المدارس والخرائط والدواوين. كردستان لا تُعرَف بوصفها أرضاً فقط، بل بوصفها ذاكرةً مشتعلة. لا تُعرَف بوصفها جبالاً فقط، بل بوصفها أسماء آباء وأمهات، ومقابر، وأعراساً، ومنافٍ، وخيولاً، وثلجاً، ودماءً، وناياتٍ بعيدة.

الذي لا يحبّ كردستان لا يعرفها. قد يقرأ عنها، وقد يكتب عنها، وقد يشرح حدودها للآخرين، لكنه يبقى خارج بابها. كردستان لا تفتح قلاعها لمن يأتي إليها ببرودة الباحث وحدها. إنها تحتاج إلى عينٍ تعرف البكاء، وإلى قلبٍ يعرف الوفاء، وإلى ذاكرةٍ تقبل أن تُجرَح. لذلك كانت معرفة الوطن، عند الشعوب المقهورة، نوعاً من العشق؛ وكانت محبة اللغة شكلاً من أشكال المقاومة؛ وكان حفظ الاسم انتصاراً صغيراً على محوٍ كبير.

العاشق لا يملك ما يحبّه. وربما لهذا يعرفه أكثر. الملكية تُفسد النظر أحياناً، أما العشق فيطهّر العين من ادعاء الامتلاك. من يحبّ لا يقول: هذا لي، بل يقول: أنا له. أنا لهذه اللغة التي تسكنني أكثر مما أسكنها. أنا لهذا الجبل الذي يرفع رأسي كلما حاول التاريخ أن يخفضه. أنا لهذه الذاكرة التي لا تمنحني الراحة، لكنها تمنحني المعنى. أنا لهذه الجغرافيا التي لم تكن يوماً تراباً وحسب، بل كانت كرامةً معلّقةً على حافة الريح.

هكذا تصبح زانين، في معناها الأعلى، عهداً لا درساً. أن تعرف يعني أن تشهد. أن تشهد يعني أن تحب. وأن تحب يعني أن تقبل بما في الحب من نارٍ وخسارةٍ وقيامة. فليس العشق نقيض المعرفة، بل ذروتها. وليس العاشق إنساناً ناقص العقل، بل إنساناً بلغ من المعرفة حدّاً لم تعد فيه الحقيقة فكرةً تُقال، بل مصيراً يُعاش.

وحين نقول: Zanîn, yanî evîn e، فنحن لا نضع جملةً جميلة على عتبة الكلام، بل نفتح باباً قديماً في روح الإنسان. نقول إنّ المعرفة التي لا تصير عشقاً تبقى نصف معرفة، وإنّ الحياة التي لا يوقظها الحب تبقى نصف حياة، وإنّ الإنسان لا يبلغ إنسانيته الكاملة إلا حين يجد شيئاً يستحق أن يمنحه قلبه، وخوفه، وذاكرته، وربما عمره كله.

العشق، بهذا المعنى، ليس هروباً من العالم، بل دخولٌ أعمق فيه. ليس غفلةً عن الموت، بل معرفةٌ بالموت وقد تحولت إلى حبّ للحياة. ليس بكاءً على ما يزول، بل إنقاذٌ لما يزول من العدم، ولو بكلمة، ولو بأغنية، ولو باسمٍ يُنطق في المنفى. فما نحبه لا ينجو دائماً من الفقد، لكنه ينجو من النسيان. وما يُنسى يموت مرتين، أما ما يُعشق فيظلّ يلمع، حتى من داخل الغياب.

لذلك لا يكون العاشق ميتاً، ولا يكون حياً بالمعنى العادي للحياة. إنه يقيم بينهما: بين نار الحياة وظلّ الموت، بين الذا

والفقد، بين الاسم والمحو. هناك، في تلك الحافة العالية، يولد الإنسان الحقيقي؛ الإنسان الذي عرف لأنّه أحبّ، وأحبّ لأنّه أدرك أنّ العالم، بكل هشاشته، لا يستحق أن يُعاش إلا بالعشق.
:::

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مروة بربم

قُبَيل العصر, وقبل أن يستنفد النهار رصيد ساعاته القليلة الباقية، اعتراني قلقٌ ثقيلٌ رهيب.

لم أجزع من زيارته المباغتة، فهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، كما أنني لم أُبدِ استيائي من طريقته البوليسية في اقتحام الروح دون إخطار.

استقبلته بفتور وبلادة الجليد، هو لا يعرف أنَّ الماء ينهزم، إذا دفعته الظروف نحو قِفار المتجمد الجنوبي، فيقضي…

عبد الجابر حبيب

متى يصبح الناقد طرفاً في النص؟

من حق القارئ أن يتأثر بالنص، ومن حق الناقد أن يؤوله، ولكن ليس من حق أحد أن يتبنى فكرة ليست فيه ثم ينسبها إلى صاحبها. وهنا يكمن الفارق الدقيق بين التأويل بوصفه ممارسة نقدية مشروعة، وبين تبني الأفكار بوصفه موقفاً شخصياً يحاول أن يجد له موطئ قدم داخل…

فواز عبدي

من أبرز السمات الفنية التي تميز مونودراما «الجندي أصلان أوغلو» للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل أنها تنطلق من ثقة واضحة بوعي المتلقي وقدرته على إنتاج المعنى بنفسه. فالنص لا يلجأ إلى الشرح المباشر، ولا يفرض على المشاهد أو القارئ تفسيراً محدداً للأحداث، وإنما يكتفي ببناء عالمه الدرامي عبر الإيحاء والصورة والحدث، تاركاً مساحة واسعة…

باسم إدارة وهيئة تحرير موقع ولاتي مه، نتقدم إلى الكاتب م. محفوط رشيد بأصدق مشاعر التعزية والمواساة في رحيل زوجته المغفور لها بإذن الله صافو مجيد حسن، شقيقة المرحوم الكاتب والسياسي توفيق عبدالمجيد حسن ، بعد رحلة طويلة من المعاناة مع المرض.

لقد تلقينا هذا النبأ…