محي الدين حاجي
على قمة جبل “جودي” الشاهق (محافظة شرناق بشمال كردستان) تقام في الأسبوع الأول من شهر تموز في كل منطقة بوطان ، بحدث كوني مهيب يُعرف بـ زيارة جودي (Ziyareta Cûdî) أو “عيد جبل جودي”. لقرون طويلة، تحول هذا الجبل في الفلكلور والوجدان الكردي إلى “سُرّة الأرض” وبداية الحياة الثانية للبشرية؛ حيث كان يتوافد آلاف الأكراد من مسلمين، ومسيحيين، وإيزيديين- صعوداً نحو القمة، لتعقد حلقات الدبكة الكردية (Govend) على أنغام الطبول والمزامير التقليدية (دهول وزيرنا)، وتُذبح الأضاحي احتفالاً بالخروج من الضيق إلى الفرج؛ فالجبل في ميثولوجيا المنطقة هو المرسى التاريخي لسفينة نوح عليه السلام بعد الطوفان الأكبر، مصداقاً للآية الكريمة ( وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ)ّ.
وعند السفح الجنوبي للجبل تقع قرية هشتيان (Heştan) وتعني بالكردية “الثمانين” والتي يؤمن الموروث الشعبي أنها تأسست على يد الناجين الثمانين الذين هبطوا من السفينة حيث يوجد فيها غابة نوح ويؤمن سكان المنطقة أن الغابات والبساتين المحيطة بقرية هشتيان أسفل الجبل هي أول غابة ونواة زراعية نبتت على وجه الأرض بعد الطوفان. وتقول الروايات المحلية إن النبي نوح بعد أن أسس القرية مع الناجين الثمانين، قام بغرس البذور والشتلات التي احتفظ بها داخل السفينة لحمايتها من الفناء. وتشتهر هذه البساتين بأشجار التين، والزيتون، والرمان الجبلي، بالإضافة إلى أشجار البلوط المعمرة. وينظر الأهالي إلى بعض الأشجار القديمة وضخمة الجذوع في تلك الأودية بقدسية عالية، باعتبارها امتداداً تاريخياً للغراس الأولى التي وضعها نوح بيده. و يؤمن سكان المنطقة بأن النبي نوح عاش ما تبقى من عمره ودُفن في مدينة “جزيرة بوتان” المتاخمة للجبل. يقع الضريح الأثري في قبو أسفل مسجد يحمل اسمه، ويعد مزاراً رئيسياً في الأعياد.و يُعد يافث (Yafes)، ابن النبي نوح، الأكثر حضوراً في جغرافية المنطقة. ففي مدينة جزيرة بوتان (Cizre) القريبة جداً من جبل جودي توجد تلة تاريخية شهيرة تُعرف باسم “تلة يافث”، والحي المحيط بها يُسمى اليوم رسمياً “حي يافث” (Yafes Mahallesi). ويُؤمن سكان المنطقة أن يافث بن نوح استقر في هذه التلة بعد النزول من السفينة، ومنه انحدرت السلالات والأقوام التي سكنت الأناضول وجبال زاغروس.
ويظهر هذا الارتباط الأنثروبولوجي بوضوح في المطبخ الكردي عبر حلوى “الدانيك” (Danik) أو “العاشورية”. وتروي الأسطورة الشعبية الكردية الدافئة أنه مع رسوّ السفينة ونفاد المؤن، جمع النبي نوح بقايا الحبوب والمكسرات التي تجود بها الجبال القريبة (قمح، حمص، فاصولياء، زبيب، وتين مجفف وجوز كردي) وطبخها في قِدر كبير ليشبع الجميع. وتحول الطبخ إلى طقس سنوي تتشارك فيه نساء الحي لإعداد “الدانيك” وتوزيعه كرمز للتضامن والبركة.
هذا العيد ((Ziyareta Cûdî الجغرافي يلتحم روحياً بزمن عالمي هو يوم “عاشوراء”(العاشر من مُحرّم)، الذي تُجمع الروايات والتفاسير التاريخية أنه اليوم الذي رست فيه السفينة ونزل ركابها إلى الأرض سالمين. الاسم نفسه يحمل جذوراً سامية قديمة؛ فقبل الإسلام، كان اليهود يصومون العاشر من شهرهم الأول “تِشْري” ويسمونه عشور شُكراً لنجاة موسى وقومه،ويحتفل به السومريون والأرمن والفراعنة والصائبة وكل واحد منهم حسب روايته الدينية.
ورغم البُعد الابتهاجي بالنجاة، اتخذ يوم عاشوراء مساراً عقائدياً مغايراً لدى الشيعة بعد عام 61 للهجرة؛ حيث تمحور بالكامل حول مأساة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين بن علي (حفيد النبي) . هذا التحول جعل الفقه الشيعي ينظر بريبة لروايات “أفراح الأنبياء في عاشوراء”، معتبراً إياها محاولات أموية للتغطية على حجم الفاجعة، ولذا يبتعد الشيعة عن مظاهر الطبخ الابتهاجي (كحلوى عاشوراء) ويستبدلانها بالإمساك حزناً.
وفي وسط هذا التباين، يقدم المجتمع الكردي لوحة فريدة تجمع الفرح بالحزن فالأكراد السُّنة يحيون اليوم بالصيام والأكراد العلويون يمثل عاشوراء ذروة طقوسهم؛ فيصومون 12 يوماً “صيام الحزن” على آل البيت تُلقى فيه المراثي الكردية على أنغام آلة الطنبور، وفي اليوم الـ13 يطبخون العاشورية.والأكراد الشيعة (الفيلية واللور ) يحيون المناسبة بمجالس عزاء واللطم.
في النهاية، يبقى يوم “عاشوراء” في الفضاء الكردي يوماً تتداخل فيه الجغرافيا (جبل جودي) باللغة والتاريخ والجذور في هذه المنطقة ؛ لينجح دائماً في جمع الناس حول قِدرٍ واحد من الحلوى، يذكرهم بأن البشرية مهما اختلفت مذاهبها وقومياتها قد نجت يوماً معاً على متن سفينة واحدة رست فوق تراب جبل كردي.ويبقى جودي والسفينة راسخا في الأدب الكردي
Xwedêo tu pîroz bikî vî danê ha.. Heştê kesan li gundê me, gundê Heştanê qerar girtin, star bûn, Kîsên keştiyê vala bûn, lê bereketa nûh gihîşt hawara wan. Genim û nîsk û dexlê dinyayê tev kirin nav beroşê, Navê vî xwarina pîroz kirin ‘Gerev’ û xwarin bi dilê şad, Darên zeytûnê û berûyê li ber derê gund bûn yadîgar ji destê pîroz. Her sal gava Aşûra tê, em agir dadidin serê zinaran, Govendê girê didin, tiliyên xwe li nav tiliyên hev dilerizînin, Cûdî warê Nûh e, her her serser û serçavan e.”
ويبقى السؤال: كيف ارتبط هذا العيد القديم والأزلي مع عاشوراء الشيعة؟ أم إن حكام المنطقة قاموا بتزوير التاريخ أيضًا لإنهاء شعبنا وطمس تاريخه؟..