قراءة انطباعية في المجموعة القصصية «تحت سقف السماء» للكاتبة العفرينية كوثر حسن جعفر

نصر محمد / ألمانيا

قبل الدخول إلى القراءة: لا بد من التعريف بالكاتبة

كوثر حسن جعفر قاصة وروائية تعيش في حلب. صدر لها عام 2019 مجموعة قصصية بعنوان «حكايا الياسمين» عن دار شلير – سوريا، كما صدر لها عام 2024 رواية «سموات الحزن» عن دار ببلومانيا المصرية.

وصدر لها، قبل أقل من شهر، مجموعة قصصية بعنوان «تحت سقف السماء» عن دار ديوان العرب المصرية.

ولديها عملان روائيان ومجموعة قصصية تنتظر الطباعة، إلى جانب العديد من المشاركات في المجلات والمواقع الثقافية، وآخرها الزاوية الخاصة بها في موقع «فن ومدن»، حيث تنشر أعمالها وتجري حوارات صحفية مع زملائها الكتّاب.

المجموعة القصصية

المقدمة: سماء بلا سقف

منذ اللحظة الأولى يضعنا العنوان «تحت سقف السماء» أمام مفارقة موجعة تلخص فلسفة الكتاب كله. فالسماء هي أوسع سقف وأكثره انكشافاً، سقف لا يستر ولا يحمي.

أبطال كوثر حسن جعفر يعيشون جميعاً تحت هذه السماء المكشوفة، لكن سقوفهم الحقيقية سقطت: سقف الجسد، وسقف البيت، وسقف الوطن، وسقف العدالة.

المجموعة هي دراسة متدرجة لمفهوم واحد: السجن.

الكاتبة لا تكتب عن السجن الحديدي فقط، بل تتبع السجن وهو يتناسخ ويتغير شكله: من زنزانة انفرادية ضيقة، إلى سؤال طفل محاصر، إلى طبق طعام مستحيل، إلى وطن يُغادر قسراً، إلى ركام زلزال.

وفي كل مرة تبحث عن ثقب صغير للضوء يتسرب من سقف السماء.

1- «منزل رقم 111»: سجن الجسد وسجن القسوة الرحيمة

هذه هي القصة المفتاح لكل المجموعة، وأكثرها عمقاً نفسياً.

تبدأ بعلاقة نمطية: سحر، السجينة المظلومة بتهمة مخدرات دُبرت لها لأنها كشفت تهريب مخطوطات، تعيش في بيت السجانة السابقة عواطف، الملقبة بـ«البلدوزر» لقسوتها وضخامتها وملامحها القاسية.

الانقلاب الدرامي أن «البلدوزر» لم تكن جلاداً، بل كانت أماً سرية.

عواطف وُلدت بعيب خلقي جعلها تعيش مزدوجة الجنس، فعاملها أبوها كمسخ، وناداها بالشيطان، ثم رمتها أمها إلى الشارع في الرابعة عشرة لتنجو من جحيم البيت، بدعاء قالت لها إنه سيبقى كمظلة فوق رأسها تحميها من كل شر. ومن هنا كانت تنظر إلى السماء دائماً.

عاشت في الشارع، وتعرضت للجوع ومحاولات الاغتصاب، حتى آواها العم سالم، والد صديقتها مفيدة.

لم تستطع إجراء عملية تحويل مكلفة، فبقيت سجينة جسد لا تعرف نفسها رجلاً أم امرأة.

اشترت بيتها رقم 111 بذهب أمها وراتبها من السجن، وكانت تسخر من أن الرقم «111» يعني سجناً مؤبداً.

قسوتها على سحر في الزنزانة رقم 3 لم تكن حقداً، بل خطة حماية اتفقت عليها مع مفيدة: واحدة تكون القسوة، والأخرى الملاك الحارس.

كانت تضعها في الانفرادي لتحميها من عنبر النساء، ومن تحرش المسؤولين الرجال، ومن الضرب والاعتداء، وكانت ترسل لها المال والدواء سراً.

المأساة الختامية تلخص فلسفة الكاتبة: تخرج سحر لشراء حاجيات البيت وتنسى قفل باب الحمام. تعود مسرعة لتجد عواطف قد دخلت لتتوضأ، فأغلق الباب عليها، وماتت مختنقة وحيدة خلف باب حديدي بارد، تماماً كما كانت تعاقب السجينات.

السجانة ماتت بنفس موت ضحاياها.

وبقيت سحر على أريكتها في المنزل 111 تلوّح للعصافير.

2- «لحم بالكرز»: سجن الفقر والحساب

إذا كانت القصة الأولى عن سجن الجسد، فهذه عن سجن اللقمة. وهي الأكثر واقعية وإيلاماً، لأنها بلا مجاز، بل بحساب دقيق يذل الروح.

عبد الرزاق يسكن في حي عشوائي بعيد في حلب، مع عائلته المكونة منه ومن زوجته وستة أولاد، أكبرهم في الثامنة عشرة وأصغرهم في الخامسة.

الرفاهية الوحيدة المشتركة بين سكان الحي هي الإنجاب، لأن كل شيء آخر ينقصهم.

زوجته، أم عبد الغني، كانت تعينه بتنظيف البيوت، حتى أصيبت بمرض عضال أقعدها الفراش، وأصبحت تحتاج إلى غسيل كلى ثلاث مرات أسبوعياً في المشفى الحكومي، بينما بقي زرع الكلى حلماً باهظاً.

في سهرة عائلية تحكي الزوجة أنها، أثناء عملها في بيت سميرة خانم، طبخت كل الأطباق إلا طبقاً واحداً لم تستطع تذوقه، هو «لحم بالكرز»، كالياقوت الأحمر الذي يزين مجوهرات وفساتين النجمات.

لم تطبخه في حياتها، لا في بيت أهلها ولا في بيتها.

يقرر عبد الرزاق أن يحقق أمنيتها.

وهنا يبدأ العذاب الحسابي: كيلوغرامان من اللحم يعنيان مئة وخمسين ألف ليرة، وثلاثة كيلوغرامات من الكرز تعني خمسين ألفاً، والمكسرات لنقل خمسين ألفاً…

من أين سيحصل على مئتين وخمسين ألفاً؟

لم يجنِ مثل هذا المبلغ في حياته.

يستدين الكرز على دفعات، ويطلب من صديق بائع فواكه أن يعطيه إياه بالدين، ويعتذر شقيقه لضيق اليد، فيما تنهال عليه أمه بالشتائم:

«تستدين كي تأكل ست الحسن لحمة بكرز؟ كانت في بيت والدها الزبال تأكل اللحم بالكرز؟»

فيبيع جرة الغاز دون أن يخبر زوجته، ويظل يدلل عليها حتى يبيعها.

وفي طريق العودة يخطر له أن يأخذ بعض البطاطا ليدعم غداء أولاده. يضع أكياسه على الأرض عند بائع الخضار، فتخطف قطة كيس اللحم.

يركض هو والرجال خلفها، ويتساقط اللحم على الأرض، وتدهسه أقدام المارة والسيارات، فيما تهرب القطة بالقليل الباقي.

يجلس عبد الرزاق على الرصيف منهكاً، مسحوقاً، يبكي، والناس تضحك وتواسيه:

«لا بأس، يعوضك الله. أطعمت قطة جائعة، ليجعلها الله في ميزان حسناتك».

اللحم الذي كان ياقوتاً في خيال زوجته انتهى مداساً تحت الأقدام.

الأمنية التي لا تكلف شيئاً في بيت الأغنياء كلّفت فقيراً جرة غازه وكرامته.

3- «مقبرة الذكريات»: سجن الاقتلاع

هذه هي الذروة السياسية والوجودية للمجموعة.

روجدا من عفرين، يتصل بها زوجها ويقول:

«نصف ساعة، كوني جاهزة، سآتي لأصحبكم».

وعليها أن تختار في ثلاثين دقيقة ماذا تأخذ من عمر كامل.

تصف الكاتبة بدقة أبشع لحظة في التهجير:

«ماذا آخذ معي؟ لو أستطيع لأخذت جدران المنزل، وهواء عفرين!»

كل شيء يحمل ذكريات.

تجمع بعض الملابس وتترك أكثرها بقلب مفطور، وصوت بكائها يعلو كلما تخلت عن شيء.

تأخذ ألبوم الصور والأقراص المدمجة ومصاغها القليل، وابنها يتوسل إليها أن يأخذ لعبته.

زوجها يطرق الباب:

«هيا روجدا، علينا المغادرة، إنهم قادمون».

تقول لنفسها:

«لمن نترك عفرين؟ لن أرحل، سأموت هنا في بيتي».

لكنها ترحل.

يفرغ زوجها الأكياس من الذكريات ويستعيض عنها بالأغطية وطعام الأولاد لأن الازدحام خانق.

ثم يقول لها الجملة التي تحرق الروح:

«أنا مضطر لإحراق الصور والأقراص، لن أتركها للأوغاد يمثلون بها».

فتصرخ:

«أرجوك لا تفعل! هي كل ما تبقى لنا من ذكريات… من عفرين! أنا سأحملها تحت ملابسي».

لكن الطريق يبدأ.

نظرة أخيرة إلى البيت، ومحاولة يائسة لتعليق أكبر عدد من صور عفرين على جدران الذاكرة.

السيارة تراوح مكانها لساعات. وبعد يوم وليلة يصلون إلى أول طريق الصعود:

«جبل الأحلام، أول طريق الشتات!»

وفي الطريق يظهر مشهد العجوز الذي يحمل جثة ابنه ويرفض تركها:

«ساعدوني لأدفن ابني، فقد بدأت أفقد رائحته».

هنا تتحول القافلة إلى جنازة جماعية.

الناس يحفرون.

روجدا تحفر بيديها، وتحفر، وتحفر، ثم تدفن ألبوم الصور وتردم عليه التراب.

وصوت نحيبها يفجر انهيار الجميع، وراح كل من كان هناك يحفر قبراً لذكرياته: هناك من حفر قبراً لثوب عرسها، ومن حفر قبراً لرسائل حبه، ومن دفن كتبه المفضلة، ومن دفن أحلامه.

يهمس لها زوجها:

«لا تقلقي، فمفتاح بيتنا معنا!»

فتبتسم بحزن، وتدس صورة عائلتها تحت ملابسها في حقل الزيتون، ويلتقطون صورتهم الأخيرة لعفرين ويعلقونها كأهم صورة في معرض ذاكرتهم، ويتابعون طريقهم ببسمة أمل حزينة.

الكاتبة تجعل الدفن طقساً للمقاومة.

هم لا يحرقون ذاكرتهم، بل يدفنونها كبذور ليحموها من التدنيس، على أمل أن تنبت يوماً.

4- «دكان في الجنة»: سجن الأسئلة

هنا ينتقل السجن من الجسد والمكان إلى سجن المفاهيم.

حوار بين الراوية وطفل صغير اسمه عبد الله يساعدها في حمل البقالة.

الطفل يسأل بمنطق بسيط لا يملكه الكبار:

لماذا لا تضعين غطاء على رأسك؟

لماذا المرأة تغطي نفسها والرجل لا؟

لماذا الرجل قوي يحمل جرة الغاز، والمرأة تحمل وتلد؟

لماذا الرجل يتزوج بأربع؟

الكاتبة تترك الأسئلة معلقة لتكشف هشاشة الأجوبة الجاهزة.

ثم يسألها عن الحوريات، فتجيبه بخجل أنهن نساء جميلات جداً.

ثم يسألها ماذا ستطلب في الجنة.

فيجيب هو عن نفسه: دكاناً كبيراً أكبر من دكان أبي مرزوق، مليئاً بالحلوى والسكاكر والفاكهة، كله ملكه وحده، ومدفأة كبيرة بحجم البناء، و16 مليون حاوية قمامة يخرج منها إخوته رزقهم، وساقين جديدتين لأبيه المقعد.

وينتهي الحوار بالسؤال الذي ينسف كل شيء:

«هل أمي في الجنة الآن؟ كانت تغطي رأسها وكامل جسدها، لكنها ماتت تحت الركام وهي ترتدي ملابس البيت الصيفية وبلا غطاء رأس عندما تهدم بيتنا، فهل ستدخل الجنة أم لا؟»

هنا ينهار سجن التفسير الحرفي للدين أمام براءة طفل فقد أمه تحت الأنقاض.

5- «أحلام طائر الفينيق»: كسر السجن

هذه القصة هي الجواب على القصص الأربع التي سبقتها.

توثق زلزال 6 فبراير، بقوة 7.8 درجات، الذي ضرب حلب.

تصف الساعة الرابعة وسبع عشرة دقيقة صباحاً: الأرض تزجر، والصراخ يغطي المدينة، والشبكة لا تستجيب، والناس الذين حتى الزلزال لم يوقفهم عن الكذب ونشر الشائعات.

وسط هذا الخراب تلتقط الكاتبة مشهداً واحداً يلخص فلسفة الكتاب:

مجموعة صبية يلعبون فوق الركام، وبينهم صبي مبتور الساقين على كرسي متحرك يشارك في سباق جري من ركام إلى ركام.

يدفعه صديقه، فيما يدير هو العجلات بحماس.

يصل خط النهاية ويشعر بسعادة عظيمة، وصديقه يعانقه، وهو يدور حول نفسه على كرسيه بحركة بهلوانية زهواً وسط تصفيق أصدقائه.

ثم يقفون جميعاً ويرفعون أيديهم بإشارة النصر وينظرون إلى السماء.

تتساءل الكاتبة:

من الفائز؟

الصبي على الكرسي، أم من دفعه، أم كلهم؟

الصبية انتصروا على الزلزال والبرد والخوف والموت والحرب.

فعلاً، ما زلنا بخير.

الخاتمة: من المقبرة إلى النصر

الآن تكتمل لوحة «تحت سقف السماء».

الكاتبة بنت مجموعتها بتدرج مقصود لا يخطئه قارئ متأنٍ.

بدأت بسجن الجسد في «منزل رقم 111»، ثم سجن الفقر في «لحم بالكرز»، ثم سجن الاقتلاع في «مقبرة الذكريات»، ثم سجن الأسئلة في «دكان في الجنة»، وصولاً إلى سجن الطبيعة في «أحلام طائر الفينيق».

كل الأبطال — عواطف، وسحر السجينة، وعبد الرزاق، وروجدا المهجرة من عفرين، وعبد الله اليتيم، والصبي مبتور الساقين — يجمعهم أنهم بلا سقف حقيقي يحميهم.

بيوتهم إما ضيقة كحمام، أو مهددة بالسقوط، أو محروقة، أو مهجورة قسراً، أو تحولت إلى ركام.

لكن كوثر حسن جعفر لا تكتب أدباً عدمياً.

في كل قصة تترك ثقباً صغيراً للضوء يتسرب من سقف السماء:

دعاء أم عواطف الذي يبقى كمظلة فوق الرأس، وحسنة قطة جائعة، ومفتاح بيت عفرين المحفوظ، وصورة عائلة مدسوسة تحت الملابس في حقل زيتون، ودكان حلوى في الجنة، وسباق فوق الركام ينتهي بإشارة نصر إلى السماء.

كأنها تقول لنا:

نعم، نحن نسكن مقبرة كبيرة للذكريات والأحلام وكرامة الفقراء، لكننا ما زلنا قادرين على أن ندس صورة في جيبنا، وأن نرفع أيدينا للنصر.

تحت سقف السماء الواسع، السجن حقيقي، لكن الحلم بالطيران أيضاً حقيقي.

وهذا ما يبقينا أحياء.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أمين عبدو / فنان تشكيلي
​حسب الدراسات المتعلقة بالمجتمعات البدائية للإنسان القديم وتطوره، يُقَدَّر انفصاله عن عالم الحيوان بحوالي 100 ألف سنة قبل الميلاد. وقد عُثر على آثار لإنسان “النياندرتال” وبقايا عظامه، وكانت تختلف عن الإنسان الحالي من حيث الضخامة وشكل الجمجمة؛ أي إن الإنسان طرأ تغير على شكله مع مرور الزمن كلما تحسن وضعه المعيشي…

عصمت شاهين الدوسكي

يَشْرَحُ قَلْبُ الْإِنْسَانِ عِنْدَمَا يَجِدُ إِبْدَاعَاتِ الشُّعَرَاءِ تَكْسِرُ الْحَوَاجِزَ الضَّيِّقَةَ، عَابِرَةً الْجِبَالَ وَالْبِحَارَ، لِتَصِلَ إِلَى أَبْعَدِ قَلْبٍ. لَا شَكَّ بِأَنَّ الشَّاعِرَ الْمُبْدِعَ مُحَمَّدَ الْبَدْرِيِّ غَنِيٌّ عَنِ التَّعْرِيفِ، فَهُوَ كَالْفَرَاشَةِ الَّتِي تُحَلِّقُ فِي فَضَاءِ اللُّغَتَيْنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْكُرْدِيَّةِ، يَمِيلُ عَلَى أَيَّةِ أَرْضٍ مُتْقِنًا الطَّيَرَانَ بِحُرِّيَّةٍ، لَكِنَّهَا لَا تَحْتَرِقُ بِالنُّورِ، بَلْ تَجْعَلُ لَهُ جَمَالًا، وَلِلْعَذَابِ أَلَقًا….

فراس حج محمد| فلسطين

تكمن أهمية اللغة في أنها ذات مدلول “سياسي ثقافي” و”ثقافي اجتماعي”، لا يحتاج إلى أدلة، لأنه بدهي، وكل بدهي لا يلزم استدعاء ما يؤكده، فكلّ ملاحظٍ للواقع بتجلياته كافّة يرى أن للغة اتصالاً مباشراً فيه، بدءاً بالمعجم اللغوي المستخدم، إلى دلالة الألفاظ المشتركة، وصولاً إلى طريقة الكلام نفسها، فثمة لغة فلاحية أو…

صبري رسول

هندسة السّرد:

يهندس الكاتب نزار آكري السّرد الفنّي في رواية فرح خاتون الصّادرة عن دار الزّمان للطّباعة والنّشر ٢٠٢٥ بتقنيّة سرديّة فائقة، تحتلّ الرّواية ١١٦ صفحة من القط المتوسط.

تدور احداث الرّواية على لسان الأميرة الكُردية فرح خاتون، ابنة علي عيسى عبدالكريم آغا المليين، أحد الوجوه الاجتماعية في قرية كندور على تخوم الحدود المصطنعة التي…