مقالات

مهرجان كوباني السينمائي.. عندما تتحول مدينة الصمود من ركام الحرب إلى سجادة حمراء للعالم

نصر محمد / ألمانيا – هيرنه
كنت ضيفاً للسنة الرابعة على التوالي على مهرجان كوباني السينمائي الدولي ، وما دفعني لكتابة هذه الشهادة هو الكم الكبير من المنشورات التي تهاجم المهرجان دون معرفة حقيقية بتاريخه وحجمه ورسالته .
ولتوضيح الصورة ، لا بد من الوقوف عند أربع حقائق أساسية :
أولاً : البداية كانت حلماً ذاتياً وليس مشروعاً ممولاً
لم يولد هذا المهرجان أمس . تأسس مهرجان كوباني السينمائي الدولي في عام 2020 في ألمانيا بجهود فردية خالصة لمجموعة من السينمائيين الكرد . واستمر لدورتين متتاليتين بتمويل ذاتي كامل من القائمين عليه ، قبل أن يبدأ بعض المحبين والداعمين للثقافة بتقديم الدعم له . هو في جوهره حلم سينمائي كردي، وليس مشروعاً سياسياً ممولاً .
ثانياً : الأرقام ترد على اتهام ” الضيق والمناطقية “
من يهاجم المهرجان لا يعرف حجمه الحقيقي . في دورته الرابعة التي احتضنتها مدينة بوخوم الألمانية ، استقبلت إدارة المهرجان 2165 فيلماً من 121 دولة حول العالم . تم اختيار وعرض 10 أفلام منها مرشحة للجوائز النهائية . ولم يكن الحضور هامشياً ، بل ضم أكاديميين وفنانين وبرلمانيين ألمان وضيوفاً من الولايات المتحدة ومختلف دول أوروبا . فهل يمكن وصف تظاهرة بهذا الحجم بأنها ضيقة ومناطقية ؟
ثالثاً : رسالة ثقافية إنسانية بأسماء كبيرة
يحرص المهرجان في كل دورة على حمل اسم قامة سينمائية كبيرة . فإحدى دوراته حملت اسم المخرج العالمي يلماز غوني ، فيما حملت الدورة الخامسة لعام 2024 اسم المخرج الكردي الراحل طه كريمي ، وأقيمت تحت شعار ” رحلة عبر ثقافات العالم “. وهذا بحد ذاته تأكيد على أن رسالة المهرجان ثقافية إنسانية جامعة ، لا رسالة حزبية ضيقة .
رابعاً : لماذا كوباني تحديداً ؟
لأن كوباني ليست مجرد مدينة على الخارطة . كوباني أصبحت رمزاً عالمياً للصمود في وجه الإرهاب . وما فعله المهرجان هو أنه حوّل هذا الرمز من ركام الحرب إلى سجادة حمراء للسينما والفنون . وهو ما يجسده تمثال المهرجان الذهبي الذي ظهرتُ بجانبه في الصورة ، والذي يمثل المرأة الكوبانية المقاومة .
خلال أربع سنوات من الحضور المتواصل ، شاهدت أفلاماً كردية وأرمنية وإستونية وتركية وألمانية وبريطانية ، استمعت إلى أغانٍ فولكلورية وشاهدت عروض سينما صامتة . والأجمل من كل ذلك ، رأيت عائلات ألمانية وكردية تحضر مع عربات أطفالها ، كما يظهر في خلفية صورتي ، وجمهوراً جاء ليرى العالم من خلال عين كوباني .
إن مهاجمة مهرجان سينمائي يعمل بإمكانيات محدودة جداً ، ووصفه النقاد أنفسهم بأنه ” إنجاز عظيم رغم قلة الإمكانيات “، هو في الحقيقة مهاجمة للثقافة نفسها . من لا يعجبه فيلم ، ببساطة يمكنه ألا يشاهده . أما أن نهاجم مساحة ثقافية استطاعت أن تجمع 121 دولة في قلب ألمانيا تحت اسم كوباني ، فهذا ليس نقداً فنياً ، بل محاولة لعزلنا عن العالم .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

أنا ابنةُ تاريخٍ منسيّ

أفين بوزان أنا ابنةُ تاريخٍ منسيّ .. مرّتْ عليه الجيوشُ كريحٍ سوداء .. وتركتْ ظلالها مساميرَ في قلبِ الليل ثم مضتْ… كأنني…

مبادلة

فواز عبدي مسكني الزمن من أذني وأخذني إلى ميدان الطفولة في نقاره. كانت القرية في عجلة من أمرها. حركة الثياب المزركشة لا…