مقالات

درج كنيسة حلبية … ووجع الذين يرحلون

المهندس باسل قس نصر الله

أخبرتني جدتي لأمي، جليلة قصّار، أن حوش أهل أمي كان في ساحة المطران فرحات بحي التلل في حلب، حيث اعتاد الناس الاجتماع مساءً على درج كنيسة الموارنة، يتسامرون ويتبادلون الحكايات، ويتحدثون عن أبنائهم وأحلامهم ومخاوفهم، كما يفعل الناس الذين يظنون أن الغد سيشبه اليوم.

كنت أصغي إلى حكايا جدتي، وأحاول أن أتخيّل أولئك الذين جلسوا على الدرج، من دون أن أعرفهم، لكنني شعرت كأنني واحد منهم. وحين كبرت قليلاً، صرت أجلس على الدرج نفسه مع أصدقائي، نضحك ونتسامر، غير مدرك أن الأيام التي نعيشها ببساطة ستصبح يوماً ذكريات نشتاق إليها، وأن بعض الأماكن التي نألفها قد تتحول إلى وجع يسكننا ولا يغادرنا.

ثم جاءت الحرب، وغادر كثيرون بيوتهم، بعضهم إلى أماكن أخرى في حلب، وبعضهم إلى بلدان بعيدة. بقيت الحجارة شاهدة على ما جرى، لكن الأصوات التي كانت تملأ المكان خفتت، والوجوه التي اعتادت اللقاء تفرّقت، وصار الدرج الذي جمع الناس ذكرى لجلسات لن تعود كما كانت.

واليوم، أجلس في باحة كنيسة القديسة تيريزيا في السريان الجديدة بحلب، وأراقب الأطفال والمراهقين وهم يلعبون ويتسامرون على درج الكنيسة. أراهم فأرى طفولتي ومراهقتي، لكنني لا أستطيع أن أشاركهم فرحتهم كاملة. ثمة غصّة ترافقني، وسؤال يلاحقني: كم واحداً منهم سيبقى هنا؟ وكم واحداً سيحمل يوماً حقيبته، ويودّع أصدقاءه، ويغادر من دون أن يعرف متى سيلتقيهم مجدداً؟

في كل أسبوع، كانت تغادر عائلة، ويتكرر السؤال: مَن سافر هذه الأيام؟ أصبحنا نعدّ الغائبين كما لو أننا نحصي أجزاءً من حياتنا تتساقط تباعاً. ومع كل رحيل، يخلو مكان حولنا، وتغيب ضحكة اعتدناها، ويصبح اللقاء الذي كان عادياً بالأمس أمنية يصعب تحقيقها غداً.

أعرف بعض حكايات هؤلاء الراحلين، ولذلك لا ألومهم. أتفهم خوفهم على أبنائهم، وضيقهم من الغلاء، وإرهاقهم من الضغوط النفسية والمادية، وخيبتهم من الوعود التي لا تمنحهم ما يكفي من الأمان. كيف أطلب من أب أن يبقى، وهو لا يرى مستقبلاً مطمئناً لأولاده؟ وكيف أعاتب أماً اختارت الغربة على خوف دائم من الغد؟

لكنني أتألم حين أسمع بعض المسؤولين الروحيين يطالبون الناس بالبقاء باسم الوطنية والجذور والحفاظ على الوجود المسيحي، من دون أن يقدموا – أو قدموا ما لا يكفي ومتأخراً – ما يجعل البقاء ممكناً. لا يكفي أن نذكّر الناس بأرض الأجداد، إذا كنا لا نستطيع أن نمنح أبناءهم أسباباً ليجعلوا هذه الأرض مستقبلهم.

أقول لمن يرحل: اذهب إن كان الرحيل يحميك ويحمي أولادك. لا تحمل ذنباً لم ترتكبه، ولا تسمح لأحد بأن يقيس محبتك لوطنك بمقدار الألم الذي تستطيع احتماله. لكن لا تنسَ حلب، ولا أزقتها وبيوتها وطيبة أهلها. احكِ لأولادك عن درج الكنيسة، وعن الأصدقاء الذين جلسوا معك عليه، وعن مدينة أحببتها، حتى حين اضطررت إلى مغادرتها.

أما نحن الذين بقينا – في حلب أو في سورية -، فسنواصل الجلوس على الدرج، نراقب الأطفال ونخشى أن يأتي يوم لا نجد فيه بينهم من نعرفه، وأن تصبح جلساتنا أقرب إلى مجالس العزاء، نستعيد فيها أسماء الذين رحلوا، ونتساءل عمّا كان يمكن أن نفعله كي يبقوا.

أخشى أن يأتي يوم تُرمّم فيه الكنائس والبيوت، لكن لا يعود هناك ما يكفي من الناس لتملأ أصواتهم ساحاتها. وأخشى أن يروي طفل من أطفالنا لأبنائه، من وراء البحار، حكاية درج كنيسة كان يجلس عليه في حلب، كما روت لي جدتي حكاية درج ساحة فرحات.

ما أقسى أن يبقى المكان الذي أحببناه، فيما يغيب عنه الذين منحوه الحياة. وما أقسى أن يتحول درج الكنيسة من مكان للقاء إلى ذاكرة للوداع.
اللهم اشهد أني بلّغت.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

عملي محرّراً أدبيّاً

فراس حج محمد| فلسطين في النّدوة التي عقدها بتاريخ: 12/10/2026 منتدى شومان الثّقافيّ التّابع لمؤسّسة عبد الحميد شومان بعنوان "الجائزة العالميّة للرّواية…