إبراهيم محمود
مفارقة
نظر إليه بغطرسة، وهو في الطابق العلوي، بينما كان مخاطبه في الأسفل، وقال:
أرأيتني كيف أصبحت؟ وأين أصبحت الآن؟
أسمعَه من الأسفل قائلاً:
حين تنزل إلي، سأخبرك أين أنا.
نزل سريعاً، يشده الفضول لسماع جوابه.
فور نزوله، وهو يقترب منه، ليتلقف جوابه، ليفاجأ بصعوده إلى حيث كان هو في الطابق العلوي، وهو يقول له:
كما تراني، أصبحت هنا!
***
قفزة
كان المهندس الجغرافي، يقيس المسافة الفاصلة بين ضفّتيّ النهر، وما إذا كان في مقدور أحدهم ممن حوله، القفز إلى الطرف الآخر، وهو يشير إلى خطر القفز دون تروّ.
قبل أن يكمل كلامه التوضيحي، كان أحدهم منطلقاً من بين الحضور، وهو يحل في الضفة الأخرى بقفزة واحدة، ومضى دون أن يلتفت وراءه .
***
جرأة
كان المحاضر، وبأسلوبه الفلسفي المعهود، دون أن يفارقه جانب وعظيّ، يتحدث عن الجرأة، وكيف يجري اكتسابها، متطرقاً إلى أمثلة حية من التاريخ القريب والبعيد.مركّزاً على دورها في الحياة.
لا أحد يعلم كيف تسللت حية إلى القاعة، وكان الأقرب إليها هو المحاضر، الذي كان أول اللائذين بالفرار من القاعة عبر البوابة الخلفية، تبعه الآخرون على وجه السرعة.
رجل واحد بقي في المؤخرة، ليفاجئهم وهو يمسك بالحية من ذنبها ويمرجحها في الهواء.
ما كان من المحاضر إلا أن قال بصوت مرتفع:
هذه هي الجرأة!
***
قطْعُ مسافة
سمع من حكيم شعبي قولة:
الحياة هي قطْع مسافة.
حسبها سريعاً، وبدأ بسلوك الطريق، وقد قطع مسافة طويلة، ولم يشعر بشيء يريحه.
رجع إلى الحكيم وهو محبط وساخط في داخله، مُعْلماً إياه بما قام به.
ابتسم الحكيم، وقال بهدوء:
كان عليك أن تتعرف على كل ما يوجد على طرفي الطريق، وحينها كنت تعرف ما كنت أعنيه.
***
مكتبة
حجز نفسه في مكتبه الفخم، مقبلاً على قراءة محتوياتها، وبنهْم.
لا يعلم جيداً، كم هو الزمن الذي استغرقته قراءته لكمّ كبير ومتنوع من الكتب، ليشعر بطعم مرارة في حلقه، وإحباط، لأنه لم يعثر على ما كان يسعده في داخله.
تسلّق السلَّم الداخلي لبيته، وتعثر في أول خطوة، استوقفه ذلك، وبدأ يتفحص المكان جيداً، وهو يقول في نفسه، كمن اكتشف مجهولاً:
لقد بدأ الكتاب من هنا!
***
العاق
قال له والده:
أنت ولد عاق.
فشيَّد بيتاً غير مألوف في هندسته العمرانية.
قال له المعلم:
أنت ولد عاق.
فكتب قصيدة لا أثر لأي كان في إبداعها.
قال له مدير مؤسسته:
أنت ولد عاق.
فوضع كتاباً غير مسبوق في كيفية إدارة المؤسسة، أي مؤسسة، ومن نسيج فكره وحده.
قال له مسئوله العسكري:
أنت ولد عاق.
فابتكر سلاحاً لصد العدو، حصل على براءة اختراع بموجبه.
وبقي المجتمع عاقاً
***
الخائن
كان العدو على البوابة الكبرى للمدينة.
دب الفزع في نفوس العسكر والأهالي.
جرت الترتيبات لمواجهة الموقف .
شوهد أحد الجنود يقفز من الجهة الأخرى لسور المدينة، ممتطياً حصانه، ومنطلقاً كالرمح.
رفعوا أصواتهم جميعاً وهم يشيرون إليه:
إنه الخائن، الخائن الذي هرب إلى العدو.
بعد مضيّ وقت قليل، فوجيْ جنود القلعة ببلبلة وسط جنود العدو، ما لبثوا أن تفرقوا، وفيهم من سقطوا صرعى، دون أن يعرفوا حقيقة ما جرى.
خلت الساحة من كل أثر للعدو، إلا قتلاه.
كان الخائن واقفاً في الطرف الآخر من الساحة، ممتطياً صهوة جواده، ووجهه إلى مدينته.
***
حب
قال لها:
أحبك!
كانت تتضور جوعاً.
قال لها:
أحبك!
كانت تتوجع ألماً .
قال لها :
أحبك !
وهي بين يديّ عدوه.
كيف لم تلتفت إلي؟
قالها في نفسه!
***
حذاء
كل صباح كان ينزل إلى أمه في غرفتها، ويضع حذاءها على رأسه، وهو يقول لها:
هكذا أنت بالنسبة لي يا أمي.
ليال طوال تمر، دون أن ينزل إليها متفقداً حالتها.
ذات صباح، وكعادته، نزل إليها، ولم يجد لها أثراً، فقال كما لو أنه يخاطبها، وبانزعاج:
لقد وضعت حذاءك على رأسي، ماذا كنت تريدين أكثر من ذلك؟!
***
خبير زراعة
زار خبير زراعي إحدى المؤسسات ذات الصلة بالزراعة، ثم توجه صحبة فريق من مهندسي الزراعة إلى خارج المدينة، وتوقفوا عند أحد الحقول.
بدأ كبير المهندسين الزراعيين، بإطْلاع الخبير على أمور الزراعة في مدينته ودون توقف.
لفت نظر الخبير، وجود رجل مسن، كان يقلّم شجرة، وينظف ما حولها، وهو يمرر يده على جذعها، فتوجه إليه، تاركاً ذاك مسترسلاً في حديثه،وسط ذهول المحيطين به، من تصرف الخبير غير المسئول!

التعليقات (0)