العابر بين ظلال الصمت

ياسر بادلي

أصبحتُ غريبًا بين الغرباء.
كلّ وجهٍ أحدّق فيه، يحمل قناعًا غريبًا، كأنّ الأرواح تلبّستها الغربة، أو كأنها خرجت من جسدها ومضت دون عودة.
أمشي صامتًا، أنسج خطاي بين شوارع باردة، لا تبتسم، لا تصرخ، لا تبكي.
أكتب على الأشجار الهامدة، في الحدائق الهامسة كأنّها مرايا مهجورة، لا حياة فيها، ولا موت.
هنا، حيث الأرصفة تتآمر على الصوت، والهواء مكممٌ بالقانون،
يحاولون نزع النبض من قلبك،
يُرَبّونك على الصمت،
يُجزّئونك كما تُجزّأ المرايا،
يفكّكون العائلة كأنها بناء هشّ في مهبّ الريح،
يبنون دولتهم على قلق الأفراد،
على هشاشة الوقت،
على فخاخ الأوراق، والمواعيد التي لا تنتهي،
على روتين يبلعك دون أن يترك لك أثرا.

هنا، لا صوت يعلو فوق صوت التنظيم.
الدفاتر أكثر من البشر،
والنوافذ لا تفتح إلّا لتراقب.

لكن لا تحرمنا من نفسك، لا تحرمنا من صمودك،
أنت ما تبقّى لنا من الدفء، من الفكرة، من الإنسان.

ورغم هذه المأساة التي تتوارى خلف ستار النظام،
يبقى الإنسان هنا، لأنّ الشرق خلّف وراءه وجعًا آخر:
بطالة، ولا أمان،
قلقٌ بلا تأمين،
أحلامٌ لا تجد سقفًا.

يبقى هنا لأن الغربة في الجسد، أهون من الغربة في الرغيف.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…