جنازة الضوء

عبد الجابر حبيب

 

“أن تروي غزال الأرضَ بدمها ذروةُ كرامةٍ، أمّا حجبُ صلاةِ الجنازة عنها، فسقوطٌ في النذالة”

 

في العتمةِ…

تآكلَ الضوءُ ببطءٍ يا غزالُ

وتدلّتِ الروحُ من حافّةِ الصبر،

غصناً يابساً لا ماءَ فيه

لا يداً تمتدّ إليه،

جدرانٌ صامتة،

تُصغي طويلاً…

وتنحني الخطى على حافّةِ الانكسار.

 

آهٍ وألفُ آهٍ يا غزالُ

هناكَ…

انفجرَ الجسدُ

حين هبطتِ النارُ…

حين انحنى الترابُ على الوجع،

حين تُركَ معلّقاً بين الأنفاسٍ

حين أُغلِقَتِ الأبوابُ ببرودِ الإنكار،

وصار النزيفُ عاراً،

وصار الألمُ بلا مأوى يتسكّعُ عند العتبات

حتى باب المسجدِ لم يفتح للصلاة.

كم أصبحَ ألمُ السقوطِ عميقاً

في أرواحِنا يا عروسَ الكورد.

 

بكلِّ بساطةٍ رسموا لمراسمِ جنازتكِ،

خارطةً لمسارِ التبرّؤ منكِ يا غزال

هكذا أداروا وجوههم عنكِ يا بنةَ الشمس.

 

يا لوجعكِ يا غزال

خفَّ الرحيلُ إلى حدِّ الإهانة

يمشي بكِ وحيداً

بلا دموعٍ تُبلّلُ طريقَ المقبرة

اعتبروكِ ظلّاً تائهاً

يا فراشة البستان.

 

غزال

يا اسماً يمرُّ الآنَ

في هواءِ الليلِ جرحاً،

لا يشفيه الندمُ أبداً… أبداً.

يا غزال

يا ما تبقّى من معاني الشرف.

في زاويةٍ بعيدة

وقفتِ تقاومين غيابَ الشمس

كي لا تنكسرَ كرامةُ الكوردي.

 

بينما الآخرون

تحوّلوا إلى حجارةٍ باردة

تدرّبوا على كيف يكونُ النسيان،

يحبسون أنفاسهم

كي لا يشعروا،

في أيِّ زمنٍ هُم….

أيُّ مهابةٍ للصمت بعد اليوم

يا شيلان.

يازهرة الجبل الأشمّ.

 

أيُّ أرضٍ هذه

التي تغضُّ بصرَها عن جرحكِ

ولا تخجلُ من الخذلان؟

يا غزال

ما زال صوتُكِ يرتطمُ بالفراغ

يبحثُ عن نافذةٍ،

في مدينةِ اللامبالاة

ترتفعُ الراياتُ بلا روح

تفتّشُ عن معنى الأصالة.

 

ياغزال

أنتِ الآنَ،

في بيتٍ لا تصلُه الخيانات

أنقى من كلِّ ذاك الغبار

أعلى من كلِّ هذا السقوط،

بكلِّ أسفٍ يا غزال

نحملُ هذا الليلَ في صدورِنا

قيداً لا يُرى،

يمزّقُ أرواحَنا ببطء،

و نسيرُ إليكِ،

في طريق متعرج صار

سجناً يُحاصرُنا من كلِّ الجهات.

 

عذراً ثم عذراً يا غزالُ

إن التهمَنا فراغُ اليأسِ

ذاتَ يومٍ…

وصرنا ننجو لنعودَ إلى الانكسار.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن مسرحية جديدة «تحت شجرة التين» للكاتب الكردي العراقي هوشنك وزيري، في عمل أدبيّ يستعيد واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ الكردي الحديث، عبر معالجة مسرحية تنفتح على أسئلة الذاكرة والعدالة والغياب، وتتّخذ من حملة الأنفال وما خلّفته من مآسٍ إنسانية منطلقاً لبناء عالمها الدراميّ.

تمتدّ المسرحية في فضاء إنساني يتجاوز…

ماهين شيخاني

كان ينتظر مكالمة واحدة فقط.

منذ أسبوع وصديقه، صاحب المكتب العقاري، يعده بأن المستأجر سيدفع أجرة الشقة، وأن المبلغ سيبقى أمانة في المكتب حتى يأتي لاستلامه. لم يكن المبلغ كبيراً، لكنه بالنسبة إليه كان يشبه نافذة يدخل منها الهواء إلى بيت اختنق طويلاً.

في العاشرة صباحاً فتح هاتفه.

رسالتان.

الأولى من صديقه:

“الأمانة وصلت… تعال متى شئت.”

ابتسم لأول مرة…

عصمت شاهين الدوسكي

جَاءُوا بِلَا قَلَقٍ
سَرَقُوا بِلَا أَرَقٍ
نَامُوا بِلَا عَرَقٍ
العَدْلُ عَلَى الوَرَقِ
****
مَنْ يَسْأَلُ الأَمَانَ ..؟
اغْتَصَبُوا حَتَّى المَكَانَ
زَمَنُهُمْ بِلَا زَمَانٍ
وَالمُهَانُ يَبْقَى إِنْسَانَ
***
لَا صَوْتَ عَلَى المَنَابِرِ
لَا صَرْخَةَ عَلَى المَجَازِرِ
لَا رَدَّ عَلَى المَشَاعِرِ
لَا عِبْرَةَ فِي المَقَابِرِ
_**_
أَحْلَامٌ غَدَتْ ذِكْرَيَاتٍ
أُمْنِيَاتٌ عَلَى شَغَافِ النَّبَضَاتِ
الآلَامُ تَمْضِي بِلَا آهَاتٍ
كَأَنَّ الأَجْسَادَ بِلَا خُطُوَاتٍ
***
لَا حَقَّ لَنَا وَلَا حُقُوقَ
كَأَنَّنَا أَوْرَاقٌ العُرُوقُ

طَرِيَّةٌ لَكِنَّهَا بِلَا شُرُوقٍ
أَيُّ عَدْلٍ بَيْنَ فَاسِقٍ وَفُسُوقٍ..؟
***
جُوعٌ…

فراس حج محمد| فلسطين

 

إلى راقصة فلامنكو إسبانية

(A una bailaora de flamenco Española)

هامش:

“الرقص هو إمكانية الجسد في أن يبدأ من جديد، أن يتحرر من وطأة الماضي وقوانين الجاذبية. إنه ليس عرضاً خارجياً، بل هو الفكر في حالة حركة. الرقص يعلمنا أن الجسد لا يطيع الروح كعبد، بل إنه يشاركه الصيرورة والوجود. في الرقص، تلتقي الصرامة القصوى…