رحلة في عمق الوجع: قراءة في قصيدة فدوى حنا خوري

عبدالجابر حبيب

لم يكن ذلك الوقت للشغف. 

أنا من صنعته لك، قد اقتبسته من عقارب العمر. 

استيقظت على قرع طبول الشمس، تطرق بعجلة قطرات الندى بملهى قلبي. 

راقصات صماء، مبهرون. 

نهضت على جلجلة تئن روحي. 

عانقت قنبلة الشوق، ربما تزغرد على جبهة قدري. 

شردت بصقيعك البارد. 

امتطيت حضارة الفجر، لجأت إلى إكليل قبر ملغوم. 

عانقت ركام وجعي، حفرت قبر قديس. 

امتطيت معجزة. 

راقصت القبور بسهرة ساكرة، أمام ضريح شهيد يشربون من خمرة دمه.

الشاعرة: Fadwa Hanna Khoury

السؤال الذي يطرح نفسه: هل تعمدت الشاعرة فدوى حنا خوري أن تترك قصيدتها بدون عنوان؟ 

قد يكون ذلك بحد ذاته جزءاً من رؤيتها العميقة والمبهمة للعالم من حولها. في اختيارها عدم تحديد عنوان، تترك الشاعرة الباب مفتوحاً أمام تأويلات متعددة، ضمن إطار يعكس حالة من الضياع والتشتت، وكأن المستقبل أمامها قد بات بلا ملامح، مليئاً بالاحتمالات المفتوحة.

– في قصيدة “لم يكن ذلك الوقت للشغف”

تقدم الشاعرة فدوى حنا خوري عملاً شعرياً يمزج بين الرمزية والعبارات المجازية التي تنسج شبكة معقدة من المشاعر. لا شك أن القصيدة تعبر عن تجربة إنسانية عميقة، مليئة بالتوتر والبحث عن المعنى في ظل الألم والخيبة. 

تبدأ القصيدة بعبارة “لم يكن ذلك الوقت للشغف”، مما يجعل القارئ في مواجهة مباشرة مع حالة من التباعد بين الشغف والوقت، مما يعكس مدى حالة الاضطراب الداخلي الذي تعيشه الشاعرة. من خلال سلسلة من الصور الشعرية المتناقضة مثل “قرع طبول الشمس” و”قنبلة الشوق”، تخلق الشاعرة فضاءً شعرياً مليئاً بالاضطراب العاطفي والعقلي.

الجانب الفني للقصيدة

– اللغة والأسلوب

استخدمت الشاعرة لغةً مليئة بالمؤشرات الدلالية التي تعبر عن مشاعر عميقة. “عانقت قنبلة الشوق” تعكس تداخل العاطفة (عانقت) مع (قنبلة) التي تجلب الدمار، مما يخلق توتراً بين الشوق والألم. أسلوب مشحون بالرمزية يعكس الأبعاد العاطفية للتجربة البشرية. “إكليل قبر ملغوم” يعبر عن كيفية ارتباط الشاعرة بالعذاب العاطفي بشكل مباشر مع الرموز الجسدية والأماكن الميتة. كما أن “راقصات صماء” تشير إلى الأفراد الذين يعانون من فقدان الإحساس أو الفهم، مما يبرز الشعور بالانعزال أو التباعد عن العالم.

_ البنية والتكوين للقصيدة

في قصيدة النثر، هناك حرية في استخدام اللغة بصورة أكثر حرة وتجريبية، مما يتيح للشاعرة التعبير عن أفكارها ومشاعرها بشكل غير مقيد. وذلك ما أتاح للشاعرة التلاعب بالأسلوب والتركيب بطرق غير تقليدية، والتنقل بين الصور الرمزية دون أن تترنح تحت ثقل القافية والوزن. “حفرت قبر قديس” و”راقصت القبور بسهرة ساكرة”، هكذا تنقلت بين المشاهد المختلفة بكل حرية.

 الجانب الموضوعي

العزلة والاغتراب

عكست أغلب الصور في القصيدة شعوراً بالعزلة والاغتراب عند الشاعرة. تصويرها “راقصات صماء” يشير إلى حالة من عدم التواصل والفهم، سواء بين الشاعرة والعالم أو بين الشاعرة وذاتها. هذه الصورة توحي بفقدان الصوت الداخلي أو العجز عن التعبير، وهو ما يعمق الإحساس بالعزلة. كما أن “شردت بصقيعك البارد” يعكس الشعور بالاغتراب في مواجهة عواطف الآخر الباردة أو في مواجهة برودة العالم المحيط، حيث تجد الشاعرة نفسها مشردة ومهملة في عالم غير مهتم.

– الألم والدمار

يظهر الألم والدمار بشكل بارز من خلال صور “عانقت ركام وجعي” و”حفرت قبر قديس”. هذه الصور تعبر عن علاقة وثيقة بين الذات والمعاناة، حيث إن الألم هنا ليس مجرد تجربة عابرة، بل هو جزء لا يتجزأ من هوية الشاعرة. فحينما تقول “ركام وجعي”، يتضح أن الألم قد أصبح جزءاً من عالمها الشخصي، جزءاً من بنيتها النفسية.

– الموت والفناء

الموت والفناء يمثلان موضوعاً مركزياً في القصيدة. تلك الرمزية المرتبطة بالموت تتجلى في مشاهد مثل “إكليل قبر ملغوم” و”راقصت القبور بسهرة ساكرة”، حيث تعكس هذه الصور قبول الشاعرة لفكرة الموت كجزء من تجربتها الإنسانية. ومع ذلك، فالموت هنا ليس قدر، ونهاية نهاية، إنّماهو محاط بالعناصر المدمرة والخطرة مثل “قبر ملغوم”، مما يشير إلى أن الفناء يأتي بتأثير عنيف ومفاجئ. هذا يجعل من فكرة الموت تجربة محفوفة بالألم والمعاناة. 

رغم كل هذه المشاعر القاتمة، يبدو أن الشاعرة تحاول البحث عن معنى وسط هذه الفوضى العاطفية والنفسية. “امتطيت حضارة الفجر” و”امتطيت معجزة”، لا تملُّ الشاعرة من السعي لإيجاد سبيل للخروج أو اختراق جدار سميك للوصول إلى بقعة ضوء فيها بعض التفاؤل.

الجانب النفسي

نقلت الشاعرة فدوى مجموعة واسعة من المشاعر، من الشوق والقلق إلى الحزن العميق. عبر الصور القوية “راقصت القبور” و”خمرة دمه”، برز بشكل جلي الصراع العاطفي والتجربة النفسية للشاعرة.

ختاماً

قدمت الشاعرة عملاً شعرياً عكست من خلاله رحلتها النفسية المعقدة عبر عالم من الرموز والصور الشعرية الغنية. من خلال لغتها المبتكرة وأسلوبها الرمزي العميق، أنتجت عملاً أدبياً يحمل في طياته معاناة الإنسان وصراعه المستمر للبحث عن المعنى، حتى في أحلك اللحظات. عمل يغوص في أعماق النفس الإنسانية، للبحث عن معاني الحياة والموت.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

تمهيد: كاتب جاء من الهامش فصنع مركزًا

في حياة الأدب أسماء تأتي من العواصم، تحيط بها الصحف والمجلات والمقاهي والجامعات، وأسماء أخرى تأتي من الأطراف البعيدة، من مدنٍ كأنها تقف على حافة الخريطة، فإذا بها تقلب معنى المركز والهامش معًا. وسليم بركات من هذا النوع الثاني.

جاء من الشمال السوري، من القامشلي، من تلك الأرض الكردية…

شكري شيخ نبي ( ş.ş.n)

يا نديم الراح وصنو الرواح
دع شفاه الكؤوس ترتل اليبابا

دع الكؤوس تعتلي كالمآذن
تصدح كناقوس كنيس السيانا

لا بيت يليق بصاحب السماء
إلا كأس قلب يمخر لج الريانا

ودع اللوم فإن اللوم إغراء
ورب دواء بالداء كان بها كهانا

فالعلم يعرج في السماوات
والجهل يحاكي مشي الرزانا

من جهل الحب سماه هياما
ومن افترى عليه أسماه الغراما

ما كان الحب سوى العتاب
ونوح…

بمناسبة يوم اللغة الكردية يقيم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد ندوة مشتركة للكاتبين:

عدنان بشير الرسول: بعنوان مصاعب وتحديات اللغة الكردية
فتاح تمر: بعنوان وضع اللغة الكردية في كردستان الشمالية

يوم السبت 16.05.2026 الساعة الواحدة ظهراً، والعنوان بالملصق.
يسرنا حضوركم.

إبراهيم اليوسف

صدرت حديثاً، عن دار نوس هاوس في هولندا للنشر والترجمة، مجموعة قصصية لأربعة وعشرين كاتبا وكاتبة بغلاف أنيق تحمل لوحة فنية للفنانة التشكيلية روجين حاج حسين ترجمها الكاتب والناقد السوري صبري رسول من الكُردية إلى العربية بعنوان: مختارات من القصة الكردية القصيرة.
وتضم المجموعة ستا وعشرين قصة، تتناول الشؤون والهموم الفردية والشخصية والاجتماعية والإنسانية. يؤكّد…