دراسة مقارنة في مضامين الحكاية الشعبية الآسيوية.. الحلقة السادسة / الأخيرة

حيدر عمر

الخاتمة

     تضمنت الدراسة سبع عشرة حكاية شعبية تنتمي إلى شعوب آسيوية هي الشعوب العربية والأوزبكية والجورجية والكوردية والفارسية والروسية واللاتفية، بالإضافة إلى واحدة ألمانية، وكانت متشابهة إلى حدّ بعيد في الأحداث والشخصيات، التي هي في أغلبها من الحيوانات، مدجنَّة أو غير مدجنَّة، ولكنها جميعاً تنتمي إلى البيئة الزراعية، ما يعني أن جذورها موغلة في القِدَم. وهي متشابهة في مضامينها و في خصائصها و وظائفها التي تشترك فيها مع الحكاية الشعبية بشكل عام كجنس أدبي شعبي.

    ولم يقتصر هذا التشابه على ذلك فحسب، بل ظهر في أشكالها أيضاً. فرغم أنها تنتمي إلى شعوب مختلفة، فإنها تبدأ بمقدمة واحدة، وهي عبارة عن جملة أو جملتين قصيرتين تتقدَّم حكايات الشعوب المختلفة، إذ يقولون “كان يا ما كان، في قديم الزمان”. هذه المقدمة التقليدية تتكرر في الحكايات الشعبية العربية، وفي معظم الحكايات التي ترجمها عبد الرحمن عبد الرحمن الخميسي، وهي تعود لشعوب عديدة، روسية وأوكرانية وبيلاروسية ومولدافية وغجرية وليتوانية ولاتفية وإستونية وتترية وبشكيرية وشيشانية وإنجوشية وجورجية وأبخازية وأرمنية وأذربيجانية وكوردية. وترد هذه المقدمة لدى الفرس أيضاً، إذ يقولون “يَكي بود يَكي نَبود”([1]). والحكاية  الكوردية تبدأ بالمقدمة نفسها ، والأترك يقولون “نَ ڤار، نَ يُوك”، وترد هذه المقدمة لدى الألمان أيضاً، إذ يقولون “إسْ ڤارْ أيْنْ مالْ، بمعنى كان ذات مرة. وكلتا المقدمتين التركية و الألمانية أيضاً تعنيان “كان يا ما كان في قديم الزمان”.

 إن هذه المقدمة المشتركة والمتكررة  وذات المضمون الواحد تعني نقل مفاهيم بيئة إلى بيئة أخرى، ومن جيل متقدم إلى جيل لاحق. وثمة مشتركات أخرى بينها فهي. تُحكى بضمير الغائب، ولا تتقيد بمكان و زمان معينين. وتنتقل عبر الأمكنة متجاوزة الحدود بين الدول والثقافات، مثلما رأينا في حكاية “شَنْگلو مَنْگلو” وغيرها من الحكايات التي مرَّ ذكرها.
      وإذا كان هذا التشابه دليل على التأثير والتأثُّر المتبادلين بينها، إلا أن الحكم على تأثير بعضها في غيرها، أو تأثُّر بعضها بغيرها ليس سهلاً، أو غير ممكن في ظروف عدم معرفة المتقدِّم والمتأخِّر منها، ومع ذلك يمكن الحكم بوقوع الحكاية الألمانية “الذئب والسخلات السبع” تحت تأثير حكاية “شَنْگلو مَنْگلو” ذات المنشأ الشرقي.

     وبالتالي يؤيِّد هذا التشابه مرونة الحكاية الشعبية، وهي مرونة تمنحها القدرة على الانتشار من بيئة جغرافية واجتماعية إلى بيئة أخرى، وعلى اجتياز الحدود والقارات، إذ ليس بوسع الحواجز القومية أو الإثنية أو اللغوية أن تقف عائقا أمام انتقالها الجغرافي. و تصاحب عمليةَ الانتقال سلسلةٌ من الإضافات والتعديلات التي تطرأ على شخصياتها وخط أحداثها وبنية الحكاية الدرامية، “لتحمل أثر الثقافات التي تمر عبرها؛ أي إن الحكايات الشعبية التي نعرفها اليوم هي نتاج تحاوُرٍ وتلاقحٍ بين الشعوب والثقافات، يقتات على عمليةٍ قوامها السرد وتكراره. وفي كل مرة يعاد إنتاج قصة من القصص، سواء كان السارد جدة تشحذ مخيلة أحفادها أو صانع أفلام هوليودي محترف. وكل ذلك يزيد القصة الأصلية ثراء”([2]).

     يذكِّرنا هذا الانتقال بنظرية وضعها عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكي ألفريد كروبر عام (1940)، عُرفت بنظرية “الانتشار الثقافي”، التي تُعتَبر من أهم النظريات في مجال علم النفس الاجتماعي.

     لقد أشار كروبر إلى بعض سبل الانتشار الثقافي، منها التجاور والتماس المباشر ، ويُفهم من التماس المباشر  الهجرات البشرية سواء كانت طوعية أم قسرية، وهي ظاهرة إنسانية تمتد جذورها إلى قرون قديمة، تلعب دوراً كبيراً في نقل االخبرات والتجارب الإنسانية، مما أدى إلى إقامة جسور التواصل وتبادل المعارف والثقافات بما فيها من العادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية التي ينتج عنها التزاوج والمصاهرة أيضاً.

          ولعل ثمة عامل لا يقلُّ أهمية عن عامل الهجرة في هذه الميدان هو التبادل التجاري بين المجتمعات. ومن هنا يمكن اعتبار  الطريقين التجاريين، طريق الحرير وطريق البخور من أهم السبل في انتشار الثقافات قديماً قبل وجود الوسائل الحديثة من سيارات وسفن وطائرات، وقبل ظهور وسائل التواصا الاجتماعي.

     وإذ ينظر المرء إلى المسارات الجغرافية التي سلكها الطريقان، يرى أن بعض الشعوب التي تنتمي إليها الحكايات المذكورة في سياق البحث تقع بلدانها على هذين الطريقين، اللذين لاشك أن طولهما استدعى إقامة الخانات على طريفيهما، وهي تشبه فنادق اليوم، كانت القوافل التجارية تبيت فيها للراحة من عناء السفر، وكانت المدن التي يمرُّ فيها هذان الطريقان توفِّر الطعام والماء وأماكن الراحة للمسافرين، بالإضافة إلى السلع المعدة للتبادل التجاري.

     و لا بد أن تجَّار الشعوب المختلفة، كانوا يقضون في هذه الخانات أياماً وأسابيع، يلتقون ببعضهم، ويتعارفون ويتبادلون أطراف الحديث، ولا بد أن بعض أحاديثهم كانت تدور حول حمولة قوافلهم وثقافاتهم بما فيها من أنماط الأدب الشعبي من حكايات وأمثال وحِكَم و غيرها، فكانوا يحملون معهم بعضاً من كل ذلك إلى بلدانهم ومجتمعاتهم، كما أن بعضاً من ثقافاتهم كانت تنتشر مع سُلَعهم بين الشعوب والدول الأخرى.

     ونرى أن الحروب أيضاً تلعب دوراً في انتشار الثقافات بما فيها الحكاية الشعبية. يحضرني هنا مثال الباحث الروسي ليرخ (1884 – 1828) الذي أقام بين جنود كُورد كانوا بين الجنود العثمانيين الذين وقعوا أسرى بأيدي القوات الروسية في الحرب العثمانية – الروسية بين سنتَيْ (1850و 1853)، حيث أقام بينهم مدة، تعلم خلالها اللغة الكوردية منهم، وأخذ عنهم نصوصاً كوردية بينها حكايات، دَوَّنها في الجزء الثاني من كتابه “تاريخ الدراسات الكوردية واللغة الكوردية) الذي أصدره في مدينة بطرس بورغ باللغة الروسية سنة 1857.([3]) 

     ذكَّرني الحديث عن الباحث الروسي ليرخ بجهود المستشرقين، وخاصة المنصفين منهم، في نقل الثقافة الشرقية إلى الغرب، فقد نقل الرحَّالة الألماني يوهان شيلتبرغر (1440 –1380) قبل ليرخ، بعض أجناس الأدب الشعبي الكوردي إلى ألمانيا، ونشرها مع ترجمتها إلى اللغة الألمانية هناك سنة 1478([4])، ثم تتالت أعمال ن المستشرقين الألمان  مثل ألبرت سوسين الذي نشر نصاً من الملحمة الكوردية “مَمي آلان”في بيترسبورغ عام 1887، ثم ترجمه إلى اللغة الألمانية عام 1890، وأوسكار مان نشر نصوصاً من مَمْ وزِين للشاعر الكوردي أحمد خاني في برلين عام 1906 وغيرهم بعد ذلك.

     ولعب المستشرقون دوراً كبيراً في نقل الثقافة العربية إلى الغرب، نذكر  من هؤلاء المستشرق السويسري جون لويس بوركهارت (1817 – 1784) الذي طاف ببعض البلدان العربية منها سوريا والجزيرة العربية ومصر التي توفي ودُفن فيها. ألَّف هذا المستشرق كتباً عن رحلاته منها “رحلات في بلاد النوبة والسودان” و”رحلات في سوريا والبلاد المقدسة” و”رحلات في بلاد العرب”، تحدَّث فيها عن العادات والتقاليد الشعبية العربية. و منهم السويدي كارل لاندبرج (1924 – 1848ا) الذي وضع كتاباً عن أمثال أهل الشام طبعه سنة (1883)([5]) والألمانيان ألبرت سوسين (1899 – 1844) الذي نشر نصاً للملحمة الكوردية مَمي آلان Memê Alan مع ترجمة ألمانية لها في بيترسبورغ في روسيا عام 1887 ونُشِرت تجمته الألمانية بعد وفاته عام 1890، و ألَّف كتاباً في الأمثال والحِكَم الدارجة في الشرق، وأصدره سنة (1878)، وفيلهلم شبيتا (1883 – 1818) الذي “جمع مجموعة من الحكايات الشعبية المصرية، ونشرها بلغتها العامية مع ترجمتها الفرنسية في فرنسا عام (1882)”.([6])   

     نعتقد أن حكاية “الذئب والسخلات السبع” الألمانية التي يُسمع فيها صدى حكاية ” شَنْكلو مَنْكلو/ Shakgalo Mangalo “والتي تتنازعها الثقافات الكوردية والفارسية والشامية، انتقلت إلى الثقافة الألمانية عن طريق مستشرقين تفاعلوا مع الثقافة الشرقية. لأن هذه الحكاية الشرقية من حيث منشؤها الزراعي، تناسب البيئة الألمانية التي كانت زراعية في أغلبها قبل بداية القرن التاسع عشر.

     وفي نطاق بحثنا، فإن الشعوب العربية والكوردية والفارسية والتركية متجاورة، بل متداخلة منذ ما يزيد على أربعة عشرة قرناً. وبالإضافة إلى تجاورها، تدين أغلب بدين واحد. وهذان العاملان، أقصد التجاور والدين، يلعبان دورهما في ظاهرة التزاوج والمصاهرة بين هذه الشعوب. من هنا فإن أي باحث اجتماعي في علاقات هذه الشعوب سيرى العديد من حالات المصاهرة القائمة بينها، ولا يخفى ما تلعبه هذه الحالات من تمتين العلاقات الاجتماعية وتبادل الخبرات والثقافات.

     إن ما قلناه عن العلاقات الاجتماعية والمصاهرة بين هذه الشعوب الأربعة، يمكن أن نراه بين شعوب أخرى متجاورة مثل شعبَيْ لاتفيا وروسيا، وبين شعوب جورجيا وروسيا وأرمينيا وأذربيجان وبين الشعبين الروسي والتركي أيضاً، وهي الشعوب التي تضمَّنت هذه الدراسة حكاياتها الشعبية.

وقد أدى هذا الانتشار الثقافي من خلال الوسائل السابقة و غيرها إلى ظهور مصطلح ثقافي جديد فيما بعدُ، عُرف بالمثاقفة، “التي نتجت عن احتكاك ثقافات مختلفة”.([7])  

 

([1]).  رسالة من الكاتبة والمترجمة الكوردية في أورمية في شرق كوردستان / إيران.

([2]) . مصطفي نجار: الحكاية الشعبية..لماذا تبقى طويلاً؟. جريدة الشرق الأوسط. عدد 24 كانون الثاني / يناير  2015.

([3]).جلال زنكبادي: الكردلوجيا، موسوعة مصغَّرة، ط 1، مطبعة جامعة صلاح الدين في أربيل 2014، ص 75.

([4]).المصدر نفسه، ص 41.

([5]).الدكتور مجدي فارح: الثقافة الشعبية في أعمال المستشرقين بين التزوير والتنوير. مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم العدد 12، سنة 2012. ص 90.

([6]).الدكتور مصطفى ماهر: حكايات شعبية مصرية، ط 1، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 2013، ص 30.

([7]).دنيس كوش: مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية. ترجمة الدكتور منير السعيداني، ط 1، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2007، ص 93.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…